«عرّاب التمديد» قبل صواريخ الضاحية وبعدها - أسعد بشاره (الجمهورية)
قبل الصواريخ الصباحية على الضاحية وبعدها، كان عرّاب التمديد النائب وليد جنبلاط قد نجح في ترتيب اتفاق بين الأطراف الأساسيين لتأجيل انتخابات، ليس أحد منهم جاهزاً لخوضها.
بدءاً من زيارتيه إلى السعودية، فهم جنبلاط أنّ العراب الإقليمي لا يلتفت بعين الاهتمام إلى لبنان، وتحديداً إلى إجراء الانتخابات. الأنظار كلها مشدودة إلى سوريا، والسعودية فضلاً عن انهماكها بتقاسم النفوذ داخل المعارضة مع قطر، تدور ساعتها وفق ما فهم جنبلاط على الموجة السورية، واستطراداً لن يستطيع تيّار "المستقبل" أن يتفرّغ لإجراء الانتخابات، وباتت مصلحته أيضاً تكمن في التأجيل.وفق خلاصة قراءة جنبلاط للأحداث، فإنّ الخوف من تفجير أمني كبير موجود، ولن تنفع الضمانات الإقليمية التركيّة والسعوديّة في منع الصاعق اللبناني من الاشتعال، كما أنّ الصواريخ التي استهدفت الضاحية ولم تهزّ علاقته بـ"حزب الله"، أعطت دفعاً إضافياً لخيار التمديد.ما حصل بعد إطلاق الصواريخ عزّز مخاوف جنبلاط ولم يلغها.
حمّلت قوى في "8 آذار" جنبلاط مسؤولية هذا العمل، وذهب الحزب القومي السوري الاجتماعي إلى تسمية أحد الاشتراكيين كواحد من المجموعة التي أطلقت الصواريخ، فردّ الاشتراكيون بدعوة مديرية المخابرات إلى التحقيق الكامل، وردّوا بتوجيه من جنبلاط بفتح قنوات الاتصال الأمنية مع "حزب الله" الذي لم يتهم أي جهة في قضية الصواريخ.
الواضح أنّ إطلاق هذه الصواريخ من منطقة عيتات ينعش ذكريات القصف الفلسطيني للضاحية في حرب المخيّمات، لكنه لا يسقط أي احتمال آخر، وعلى رغم ذلك فإنّ جنبلاط تقصّد فتح كل الأبواب أمام التحقيق لأنه يخشى تحويل الصراع إلى مكان آخر، كما يخشى أن تدفع منطقته أثمان معركة لا يريد الانخراط فيها.
عين جنبلاط لم تنم عن الواقع السوري، وعن نتائجه المحتملة على لبنان، فالحرب في سوريا، كما فهم من غير عاصمة قرار، طويلة ولا نهاية سريعة لها.
هذا المدى المفتوح للعنف في المنطقة يخشى أن ينعكس لبنانياً ضرباً للاستقرار الهشّ، لذلك ركز رئيس "جبهة النضال الوطني" في لقاءاته مع الروس على تجنيب الساحة الداخلية خطر نقل الصراع من سوريا، ونال ضمانات بذلك لا شيء يضمن أن تنهار في حال قرّرت المعارضة السورية الردّ داخل لبنان على اشتراك "حزب الله" في القتال داخل سوريا.
بعد إطلاق الصواريخ حصلت حادثة أمنية محدودة الثانية صباح الخميس في مخيّم شاتيلا الموصول بالطريق الجديدة. قنبلة صوتية سارع الجيش إلى تطويق تداعياتها بعدما استنفر مسلحون داخل المخيم وخارجه. ومع أنّ التقارير الأمنية التي لخّصت ما حصل واستبعدت أن يكون شرارة مقصودة لحريق كبير، فإنّ الوضع على الأرض ينبئ بأحداث لن يكون بالإمكان تفاديها، ذلك على رغم رغبة جميع الأطراف في تطويقها.
في مخيّم شاتيلا يشكّل المسلحون المناوئون لـ"حزب الله" الأكثرية، وهؤلاء لا يمكن ضبط حركتهم إلا بالدخول إلى المخيم، وهذا ربما يكون ممكناً عسكرياً إلا أنه مكلف سياسياً، أما من الجهة المقابلة فإنّ "حزب الله" وحركة "أمل" يطبّقان استنفاراً على الأرض، وقد استدعى الحزب الاحتياط من مقاتليه، ليعبّئ الفراغ الناتج من إرسال آلاف المقاتلين إلى سوريا، وسط خوف من تنفيذ عمليات أمنية رداً على قتاله في سوريا، وقد سبق لغير جهاز لبناني أن حذّر منها، ووصلت تقارير إلى المسؤولين بذلك.
لم تكن الأسباب الأمنية المفتعلة منها وغير المفتعلة هي الدافع وراء التمديد للمجلس النيابي، فالأطراف جميعاً اندفعوا إلى الالتقاء حول هذا التمديد لانتفاء المصلحة كل على طريقته، ويبقى التمديد المؤجّل في حكم المرشّح لأن يتكرر مراراً، وصولاً إلى الجلوس على طاولة إعادة تأسيس دستور جديد، وهو الهدف الذي عمل له "حزب الله" منذ العام 2005.