إلى المحتوى
حركة التجدد الديمقراطي
مختارات/

احتراما لحدود لبنان وسوريا - ساطع نور الدين (المدن)

انها الاثمان الباهظة للتورط اللبناني في سوريا.
الردود التي تأتي اليوم من وراء الحدود الشرقية والشمالية، لا تختلف كثيرا عن الردود التي طالما جاءت من تلك النواحي. وكان فيها الكثير من القصف والعنف والعبث السياسي. لكنها هذه المرة تخيب الامل الذي لاح في مستهل الثورة السورية بتغيير ذلك المسار والمصير البائسين.
لم يحفظ اللبنانيون التاريخ. ولن يحترم السوريون الجغرافيا. لعل الظرف الحالي الناجم عن انفجار البركان السوري ومسارعة اللبنانيين الى القفز في أتونه، يرسخ هذه القاعدة التي لا تزال تحكم العلاقات الثنائية بين الشقيقين الجارين،علما بان الممارسات المتبادلة والعابرة للحدود المشتركة المعترف بها حتى الان لا تدع مجالا للشك في ان المرحلة المقبلة ستكون اصعب من ذي قبل على البلدين والشعبين.
ثمة مشكلة عميقة جدا في الصلات اللبنانية السورية. لا مجال لتجنب مثل هذا الاعتراف. وهي مشكلة ساهم النظامان السياسيان الحاليان في بيروت ودمشق في تعميقها، لكنها في الاصل ناجمة عن عقود من الريبة المتبادلة والموروثة منذ استقلال الدولتين عن بعضهما ثم عن الاستعمار الفرنسي، وهي ماضية كما يبدو مع المعارضة السورية التي يبدو انها تستكمل تجربة النظام الحالي المتهاوي، وتراكمها على سجل حافل بالتوتر العابر للحدود في الاتجاهين.
في الظرف الراهن، لا جدال في ان لبنان هو البادىء، وبالتالي هو الاظلم، سواء كان يعبر الحدود من اجل دعم النظام السوري، او كان يتسلل منها لدعم الثورة السورية. في الحالتين خرق فاضح ليس فقط لما هو مرسوم ومعترف به بين البلدين،بل لابسط قواعد السياسة وادنى مراتب الحكمة. لم يبحث احد من اللبنانيين عن بدائل لمثل هذا الخيار الخطير. بل كان الجميع يعتبر نفسه ومنذ اللحظة الاولى طرفا وشريكا مع احد فريقي الصراع السوري.
كان الامر بمثابة استدعاء واعٍ للكارثة، فرضته الشروخ العميقة في المجتمع اللبناني، التي ادت الى تهور في الذهاب الى سوريا، ومن دون اي تقدير لمستوى الاحقاد السورية الدفينة التي انفجرت دفعة واحدة وادت الى هذا السيل الجارف من الدماء والى تلك الممارسات الوحشية التي لم يسبق لها، من قبل طرفي الصراع.. والتي لن يشفى منها المجتمع السوري حتى بعد اجيال على الاطاحة بالنظام الحالي.
هذه المظاهر السورية المرعبة لم تشكل رادعا لاي لبناني، بل زادت الحماسة الى المزيد من التورط، حتى تحول لبنان من فناء خلفي لذلك الصراع الى واحدة من جبهاته الامامية، التي ينطبق عليها ما ينطبق على جبهة القصير او حمص او ريف دمشق او درعا.. حيث تدور معارك ضارية، تستخدم فيها جميع الاسلحة والاساليب المحرمة، التي تستبطن نزعة الى استئصال الاخر وتصفيته نهائيا. وهكذا يرتفع عدد الضحايا اللبنانيين يوما بعد يوم، سواء العائدين من الجبهات السورية،الذين اختاروا هذا الموت بملء ارادتهم وكامل وعيهم،او الذين يتسللون عبر الحدود لمهمات خاصة، ومحدودة ، او الذين يقفون عند هذه الحدود ، مثل الجيش اللبناني الذي كانت خسارته الاخيرة لثلاثة من جنوده مؤلمة حقا،خصوصا وانها تهدد اخر حصن يمكن ان يحتمي فيه اللبنانيون من حمم البركان السوري .. ويتفادوا تحول شوارع مدنهم وبلداتهم الى خطوط تماس مشتعلة، على ما تعد به طرابلس وصيدا وغيرهما.
لبنان في مرمى النيران السورية التي نفخ فيها حزب الله بشكل جنوني اخيرا، من دون ان يدرك ان خرق الحدود لن يبقى في اتجاه واحد.. لا سيما وان لدى الاشقاء السوريين خبرات وتجارب لا تزال حية في الذاكرة في اتقان مثل هذا الخرق، والوصول بسهولة الى العمق اللبناني، استنادا الى خرائط مواقع واهداف موزعة على امتداد الجمهورية اللبنانية، لم يسلم اي منها من تجارب القصف السوري طوال حقبة "الردع" التي استطالت نحو ثلاثين عاما.. ربما باستثناء المنطقة الواقعة جنوبي الليطاني.
اخطر ما في قرار حزب الله الاخير انه يدعو المعارضة السورية التي تقاتل اليوم على مختلف الجبهات، الى التعامل مع الجبهة اللبنانية على النحو الذي اعتمده النظام في الماضي. وما التهديدات الصادرة عن المعارضين السوريين، الذين لم يتورع احدهم عن التلويح باعادة الجيش السوري مجددا الى لبنان بعد تغيير النظام ، سوى دليل على ان احدا في لبنان وسوريا لم يستخلص العبر ولم يفكر في تبديل المسار والمصير . وفي هذه الحالة يصبح قصف الضاحية الجنوبية لبيروت والهرمل واستهداف الجيش اللبناني عمدا، مقدمة لما ابعد من الرد على حماقة لبنانية ترتكب داخل الحدود السورية.. ولما اسوأ بكثير من المعادلة السابقة التي كانت تقضي بان يكون لبنان هو المقاوم وسوريا هي الممانعة.
كان ولا يزال يتوقع من المعارضة السورية سلوك وخطاب مختلف تجاه لبنان، الذي لا يصح ان يكون جبهة، والا فان النظام السوري وحلفاءه اللبنانيين هم الكاسبون.

 

← العودة إلى مختارات