أزمة طاقة في بلاد النفط والشمس - حبيب معلوف (السفير)
في مراجعة سريعة للاستراتيجيات المتعلقة بالطاقة في المنطقة العربية، يمكن الاستنتاج بسهولة ان هذه المنطقة لا تزال بعيدة جدا عن السياسات الموفرة للطاقة او تلك التي تعتمد على الطاقات المتجددة... بالرغم من معرفتها بأنها تعتمد على وقود ناضب حتما وان قضية تغير المناخ ستلزمها بإجراءات معينة عاجلا أم آجلا. فأكثر دولة عربية متقدمة في مجال الاعتماد على مصادر للطاقة المتجددة كمصر، لم تتجاوز مساهمة الطاقة المتجددة فيها 0,3 من إجمالي الطلب على الطاقة (باستثناء الطاقة المنتجة من السدود على مياه النيل).
وكما هو معلوم، فإن أهم مصادر الطاقة في المنطقة العربية هي النفط والغاز، وهي تكاد تكون نفسها بين الدول النفطية وغير النفطية! ورغم أن احتياطيات بعض الدول من النفط والغاز عالية، إلا ان ارتفاع نسبة النمو في الطلب على الطاقة قد يؤدي إلى تراجع في كميات التصدير تدريجاً، وصولاً إلى التوازن بين الإنتاج والاستهلاك السنوي، ثم الانتقال إلى الاستيراد، بنسب، ومدد زمنية متفاوتة. كل ذلك يمكن ان يحصل إذا لم يتم ضبط وترشيد الاستهلاك أو يتم رفع الطاقات الإنتاجية، في الدول ذات الاحتياطيات العالية، ما يؤدي إلى زيادة استنزاف هذه الثروة التي تشكلت عبر ملايين السنين، وتسريع نفادها خلال سنوات.
وتتوقع معظم استراتيجيات المنطقة العربية زيادة الطلب على الطاقة وارتفاع نسبة زيادة الاستهلاك بالمقارنة مع الطلب والاستهلاك الوسطي العالمي. وقد بدأت معظم الحكومات العربية والخبراء العرب بالاهتمام بموضوع تغير المناخ، وترقب إمكانيات ارتفاع درجات الحرارة وزيادة الطلب على الطاقة، بعد تجربة صيف العام 2010 ، حين ارتفعت درجات الحرارة في شهر آب بشكل غير مسبوق، ما زاد الطلب على الطاقة واظهر أوجه النقص في الاستراتيجيات والخطط، واخذ موضوع تغير المناخ أكثر وأكثر على محمل الجد.
وكان "مجلس الطاقة العالمي" قد توقع في تقرير أصدره في ختام "مؤتمر البترول العالمي الـ 20" في الدوحة في 8/12/2011، ارتفاع الطلب على الوقود من الدول النامية بنسب تتراوح ما بين 200 و300 % بحلول عام 2050، بالمقارنة مع توقعات انخفاضه في الدول المتقدمة بنسبة 20 %! وتضمن التقرير توقعات لخبراء بأن ينمو الطلب العالمي على وقود النقل عام 2050 بما بين 30 و82 % مقارنة بما كان عليه عام 2010، واستمرار اعتماد نحو 80 % من وسائل النقل على مشتقات البترول. وهذا يعني في الحصيلة الكربونية، ان انبعاثات ثاني أوكسيد الكربون من قطاع النقل (وحده) التي شكّلت عام 2010 نحو 23 % من إجمالي الانبعاثات في العالم، ومثّلت السيارات 41 % منها... سترتفع بنسب تتراوح ما بين 16 و79 % بحلول عام 2050!
واذ لا تزال الدول العربية مصنفة كدول في طور النمو الاقتصادي والاجتماعي، ونسب التزايد السكاني فيها في تزايد مستمر، فلا حاجة الى الكثير من التكهن ماذا ستكون النتيجة على مستوى امداد الطاقة، في ظل ضعف إجراءات الترشيد والتوفير والكفاءة في الاستهلاك.
يبلغ إجمالى القدرات المركبة من محطات الطاقة المائية فى الدول العربية نـحو 9855 ميغا، تتركز فى مصر، العراق، المغرب، السودان ولبنان. كما لم يتجاوز اجمالي القدرات المركبة من طاقة الرياح في الدول العربية حوالي 966 ميغا العام 2010، تتركز في مصر (550 ميغا)، المغرب (255)، وتونس (160)... ما يجعل مساهمة طاقة الرياح في إجمالي الطاقة الكهربائية المولدة عربيا بنحو 0.2 %!
اما لناحية الطاقة الشمسية فيتمتع الوطن العربي بمعدلات سطوع شمسي مرتفع تتراوح من 4 إلى 8 ك.و.س/م2/يوم، في حين يتراوح الإشعاع الشمسي المباشر من 1700 إلى 2800 ك.و.س/م2/سنة، وتصل نسبة الغيوم إلى 20% سنويا، هذا وتتنوع تطبيقات الطاقة الشمسية في الوطن العربى بحسب التقنية المستخدمة، ما حال دون الوصول الى أرقام محددة حول نسبها. الا ان معظم الخبراء يؤكدون ان واحدا بالمئة من طاقات الشمس العربية لا تستغل كما يجب ولا تشكل عنصرا مهما في الإنتاج حتى الآن.
بالرغم من ذلك يبقى الاعتماد على الوقود الاحفوري العنصر الطاغي على كل السياسات الطاقوية في المنطقة في المدى المنظور، بالإضافة الى بعض الحماسة المستجدة على الطاقة النووية، الذي لا يزال مدار جدل. وهذا ما سيضع دول المنطقة امام مواقف حرجة جدا، عندما تحين ساعة المحاسبة على احتساب البصمة الكربونية للدول المسببة لتغير المناخ، وحين يبدأ تطبيق الاتفاقايات الدولية الملزمة لتخفيف الانبعاثات العالمية التي ستفرض نفسها بعد سنوات ليست ببعيدة. وحين ترتفع درجات الحرارة أكثر وأكثر ويزداد الطلب على الطاقة، كما هو متوقع.