مصر تنجو بالسياسة وليس بالاقتراض - غسان العياش (السفير)
المسؤولون المصريون متفائلون بقرب حصول بلادهم على قرض من صندوق النقد الدولي. وقد صرّح محافظ المصرف المركزي هشام رامز من واشنطن بأن توقيع اتفاق القرض، الذي يبلغ 4,8 مليارات دولار، ممكن خلال شهر.
وتعمّد المحافظ، مثل سواه من المسؤولين المصريين، عدم التصريح عن الشروط التي وضعها الصندوق لإسداء القرض، لا سيما الشروط التقشفية، تلافياً، ربما، لعاصفة سياسية واجتماعية تعمّ البلاد، وتضاف إلى الأمواج السياسية العاتية التي يواجهها حكم الإخوان المسلمين.
ولكن الانطباع الراسخ لدى المطلعين على مجريات التطورات المصرية يشير إلى أن القرض الموعود ليس العلاج الشافي للمشاكل الاستثنائية التي يواجهها الاقتصاد المصري، منذ اندلاع «ثورة يناير» قبل عامين ونيف. فالوضع الاقتصادي البالغ السوء، الذي يقض مضاجع المجتمع المصري ويضعه أمام تحديات ومخاطر لا سابق لها، ناجم عن واقع سياسي لا مفر أمام حكومة الرئيس محمد مرسي من الاعتراف به: لقد فشلت حركة الإخوان المسلمين في الانفراد بالسلطة، وسيطرتها الكاملة على الحكومة والبرلمان، مع ما يستتبع ذلك من «أخونة» مفترضة للإدارة والقضاء والأمن والجيش.
لقد رفضت قطاعات واسعة من المصريين، بصلابة، هذا الخيار، وتصدّت له في الشوارع والميادين والنقابات والمحاكم وتجمعات القضاة، وفي الصحافة ووسائل الإعلام المرئية، ببرامجها الرصينة والساخرة. وفاقم هذا الصراع المحتدم المشاكل المتوارثة للاقتصاد المصري إذ انحسر الاستثمار الداخلي والخارجي، فانخفض النمو وارتفعت البطالة، وتراجعت السياحة إلى الحد الأدنى، وفُقدت الثقة بالجنيه المصري وتهافت المتعاملون على تحويل أموالهم إلى العملة الأميركية. وكانت النتيجة انفجار التضخم وزيادة عدد العاطلين عن العمل، وانخفاض الاحتياطات الرسمية من 36 مليار دولار يوم اندلاع الثورة إلى 13 ملياراً في الوقت الحاضر. ويشمل هذا المبلغ أموالاً لا يمكن التصرّف بها، هي عبارة عن ودائع مجموعها ستة مليارات دولار لقطر والمملكة العربية السعودية وتركيا.
وتعرّض سعر صرف الجنيه لتراجعات متتابعة في سوق القطع، كان آخرها خسارة 10% في الأشهر الأربعة المنصرمة، مما دفع السلطات إلى اتخاذ تدابير أثارت مخاوف المستثمرين والرساميل الأجنبية، بينها قيود على تحويل الأموال والتجارة الخارجية. وأصيبت المالية العامة بنكسات متوالية منذ «ثورة يناير» حتى بلغ عجز الموازنة 12% من الناتج المحلي. وهذا الأسبوع، تقدّم وزير المالية بمشروع موازنة السنة المالية المقبلة، التي تبدأ في شهر تموز، وقد لحظ عجزاً طموحاً يعادل 9,5% من الناتج المحلي.
ولعل ما يقلق السلطات، خصوصاً في محادثاتها مع صناديق النقد، هو البُعد الاجتماعي لعجز الموازنة، حيث تشكّل كلفة الدعم، المقدّرة بمبلغ 20 مليار دولار، أكبر عبء في موازنة الدولة. وإلى جانب تحفظ المؤسسات المالية الدولية على مبدأ الدعم، اعترضت مديرة صندوق النقد الدولي كريستين لاغارد على نظام الدعم الساري في مصر، لأنه يفيد الميسورين أكثر من الفقراء ويسمح لمراكز القوى أن تحقق منه أرباحاً طائلة. واقترحت لاغارد إلغاء الدعم واستبداله بمساعدات نقدية للفقراء، مع العلم أن ربع السكان باتوا يعيشون تحت الخط الرسمي للفقر.
هذه الصورة القاتمة تظهر أن الاقتصاد المصري بات، بعد الثورة، في وضع أصعب مما كان عليه قبلها. والثورة المفترض أن تحقق أحلام الشعب وتحسّن أوضاعه الاجتماعية، أضافت مزيداً من الأعباء على الأعباء المتوارثة من عهد مبارك، وكل العهود السابقة. وسبب هذا التدهور هو فقدان الاستقرار السياسي، وبالتالي، فقدان الثقة واليقين لدى المستثمرين والسياح والمودعين في المصارف، والمتعاملين في السوق المالية والعملات.
جوهر الأزمة أن جماعة الإخوان المسلمين تعتقد أن الأوان قد آن لكي تبني نظامها ودولتها. ولكن الحياة السياسية المصرية أظهرت وجود معارضة مصممة على التصدي لهذا المشروع، وأفرزت حركة ديموقراطية تتميز، إلى التصميم والشجاعة، بوضوح الرأي والنضوج والفهم العميق لأصول الممارسة الديموقراطية والدستورية في الديموقراطيات الراقية.
لن تقبل هذه الأصوات والقوى بإخضاع مصر لهيمنة الحزب الواحد والعقيدة الواحدة، وقد أثبتت أنها مستعدة للسير في معارضتها حتى النهاية.
وبالتالي، فإن حل معضلات الاقتصاد المصري لا يكون بالاقتراض من الصناديق الدولية والإقليمية، ولا باستجلاب الودائع من هنا وهناك، بل بقناعة الإخوان أن المجتمع المصري هو مجتمع متنوّع ومتعدد، وغني بالأفكار المستنيرة، وأن دولته يجب أن تكون صورة المجتمع.