جاء دور قاع البحر - سمير عطالله (النهار)
كان لويس الحاج سيد العناوين في الصحافة اللبنانية، حتى صارت الناس تقرأ عنوان الخبر وتعزف عن النص. وصار الناس يتداولون عناوينه ويتندّرون بها ويحفظونها. وقد ذهب بعضها مثلاً. فعندما أعلنت الدولة الغارقة في الفساد أنها ستبدأ التنقيب عن النفط في قريتي سحمر ويحمر، كان عنوان لويس الحاج في اليوم التالي: جاء دور باطن الأرض!
تشير الدلائل الحالية، فوق سطح الأرض وحولها وتحتها، إلى أنه جاء اليوم دور أعماق البحار. أو كما في عنوان جول فيرن هذه المرة، "عشرون ألف فرسخ تحت سطح البحر". عندما تلمح الشعوب والدول الأمل بالثروة، يغمرها شعور بالأمل والفرح. لاحظ كم نشعر بالخوف والأسى. فالجميع يدركون أن الثروة سوف تذوب في الجيوب الفاجرة قبل أن تصل الى سطح البحر. ولن يبقى منها أكثر مما تبقّى من سواها. "دكانة النزاهة" كان شعار البقالين في النصب الصغير. "دكانة الأمانة" في النصب الكبير. وما أبلغ العائبة عندما تحاضر في العفة، يقول سعيد تقي الدين.
لم نعرف يوماً لماذا ظلّ التنقيب عن النفط محظوراً في لبنان، ولماذا توقف يومها من دون إعلان، في سحمر ويحمر. لكننا نحفظ حكمة غوار الطوشي الشهيرة في علم الاستراتيجيا: إذا أردت أن تعرف ماذا يجري في إيطاليا، عليك أن تعرف ماذا يدور في البرازيل!
كان الدكتور مايكل حلبوتي أحد كبار علماء الجيولوجيا في أميركا. عرفه الجميع باللقب التحبّبي "المنقّب"، وعرف عنه أنه اكتشف 50 بئراً نفطية على الأقل. وعندما أصبح رونالد ريغان رئيساً جعله مستشار البيت الأبيض لشؤون الطاقة. ولم يفقد ابن المهاجر البسيط لحظة واحدة اهتمامه ببلد الأهل. ومن الطبيعي أن اهتمامه كان في حقله، النفط.
التقيته أوائل الثمانينات عند المهندس جورج زاخم في لندن، غير مرة، خلال زياراته له. في كل لقاء كان يقول، لماذا تحجبون البحث عن النفط؟ أنا واثق من وجود كميات كبيرة منه بقدر ما أعرف راحة يدي! ولكن مَن أنا لكي أجيبه عن السؤال؟ لذا كنت أجيبه بما يقول غوار الطوشي.
الآن عثرنا (عثروا، يعثرون) على الغاز. أُرغِمنا على ذلك لأن قعر هذا المتوسط الجميل، حقل مشترك مع إسرائيل وقبرص. ومن بعيد تطلّ تركيا التي عرضت عليها إسرائيل مدّ أنبوب يمر في المياه السورية واللبنانية. وكما لا نعترف نحن بإسرائيل، لا تعترف تركيا بقبرص. لكن الثابت، كما يقول خبير لبناني في البنك الدولي، أن حصتنا (حصتكم، حصتهم) تبلغ نحو 300 مليار دولار، أي ما يساوي ثروة قطر، التي تجول العالم ومعها لائحة مشتريات ومقتنيات، تراوح بين "هارودس" وفريق السان جيرمان.
بدأت إسرائيل إنتاج الغاز في 31 آذار الماضي. يعوِّضها ذلك ما خسرته من وقف تصدير الغاز المصري من سيناء، الذي حجب كذلك عن الأردن. الشركات الوحيدة التي أعلنت وزارة الطاقة اللبنانية عن تلقّي عروضها حتى الآن، هي الشركات الحكومية الروسية. هل نحن أمام صراع نفطي يشمل البحر هذه المرة؟ ربما. هذه المرة الأولى في الذاكرة، يكون في الصورة التذكارية الروس والنفط معاً. المرة الاولى في لبنان.
هل صارت العلاقة الروسية – اللبنانية أقوى مثلاً من العلاقة الفرنسية – اللبنانية بحيث لا نرى "توتال" في الصورة؟ تصريحات البطرك الراعي في الإليزيه، أولاً مع نيكولا ساركوزي وأخيراً مع فرنسوا هولاند، تطرح مثل هذه الشكوك. وكان السيد حسن نصرالله قد قال في إحدى خطبه: "أيهما أفضل، حزب فرنسا، أم حزب الله"؟ لا شك في تغيّر صورة التحالفات. كلام البطرك في الإليزيه، برغم العقد الخاص بين فرنسا وبكركي، ومواقف الجنرال ميشال عون، بعد 12 عاماً مع الفرنسيين، نحو عام منها في السفارة والباقي في فيلا هوت ميزون، يوحيان بأن الأولويات الماضية في العلاقات التاريخية تتخذ مفارق أخرى. ذهب الزمن الذي أعلن فيه فرنسوا ميتران "إن فرنسا مَدينة للجنرال ميشال عون"، من غير أن يفيض في الشرح. الآن، الوزير جبران باسيل يُعلن أن العرض الأول جاء من "غاز بروم".
بين ما تبنيه الشركات الإيرانية في البر، وتستعد الشركات الروسية لحفره في البحر، أيضاً ملامح الإعمار والهندسات. وبعد قليل سوف نقع في حرج شديد: كيف سننتقد بعد اليوم النفط وشيوخ النفط وسلاطين النفط ونحمِّلهم مسؤولية كل ما يحدث؟ والنفط، مثل كل شيء آخر، نفطان: ثوري مثل إيران وفنزويلا وغينيا الاستوائية، ورجعي إمبريالي، مثل جميع النفوط الأخرى. وهناك النفط الذي لا يقع في خانة التصنيف، كالنفط السوري، لأنه يُصرف على التسلّح السري ولا يُسجل في الموازنة، لزوم الجهد الحربي.
كان يقال في معرض المجاز والتغني، إن نفط لبنان هو الحرية والصيف ونسائم الجبل. هذه أيضاً، سلامتك. أقصد، تقريباً، سلامتك. فالحرية لم تعد مسألة مهمة، حضوراً أو غياباً. والصيف صار في باب العجز لا في باب الدخل. ونسائم الجبل تُطلب فقط في قصائد إميل مبارك: ضيعتنا غامرها النور وحواضا فلُّ ومنتور!
سلامتك. الضيعة اليوم اسمنت وبحص وملصقات الرجال الذين عليك أن تقترع لهم لكي يقترعوا لديار غير ديارك. كان محام كبير في الجزاء يقول: إذا أهمل أهل القتيل توكيلنا في القضية، فسوف نتوكّل عن القاتل. الحق للحصة، لا للعدالة. إما الوكالة عن القتيل، وإما عن القاتل. لأن المسألة، في نهاية المطاف، مسألة أحجام، ونكون أو لا نكون.
أرجو ألا يخيّل الى أحد أننا نضمر شيئاً ضد الروس و"غاز بروم". نحن نثمِّنُ عالياً – بلغة الموسكوبيين القدامى – دور موسكو في انتصارات العرب، وخصوصاً في 1967. ونثمّن عالياً طلعات "الميغ" اليومية فوق حلب وطلعات "السوخوي" فوق قصر بعبدا، في ذلك العرض الشهير ليوم السيادة والاستقلال. لا شيء، لا شيء، لا شيء، ضد الروس أو الروسيين أو الروسيات.
لكن مشكلتنا أننا وعينا على الدنيا من خلال جماليات مختلفة. أي، توضيحاً، مشكلة كبار السن منا. خدعتنا مهرجانات بعلبك وأغاني جاك بريل، وأفلام مارسيل كارنيه وعيْنا ميشيل مورغان وحكايات الكونتيسة دو سيغور، وعنزة المسيو سيغان، ومسرحيات جورج شحادة، وعطور المسيو كارون، وروايات ألبير كامو. رجاء، لا إساءة فهم ولا إساءة خُلق. لم نعتبر كامو لحظة بديلاً من المتنبي ولا عطر المسيو كارون رديفاً للوزال في مثل هذه الأيام. كل ما أقصد أن الروس (على رغم عظماء الرواية) لم يكونوا على الخريطة. هناك من اختار بين ستالين وديغول. أو بين بيريا وشارل أزنافور. نحن، مع الاعتذار، كنا نشتري "البؤساء" عن رصيف اللعازرية، ونذهب الى البيت لنبكي مع كوزيت. عذراً.
"غاز بروم" لم تكن على خريطة الذاكرة. كنا نؤيد روسيا – ولا نزال – من الناحية المبدئية، ولكن عندما يحين موعد السينما يوم الخميس، نذهب لحضور أفلام ساشا غيتري عن نابوليون، وتاليران يقول في المشهد الأول: أف، لقد مات! فيسأل من الذي مات؟ "الإمبراطور".
تركت فينا سنوات الصبا خداعاً بالحريات. صدّقنا أن الثورات تقوم حقاً ضد الإقطاع. صدّقنا أن الجمهوريات تقوم من أجل المساواة. تمتعنا ببرعم الفنون والرسم والغناء والموسيقى وأطلقنا على المقاهي أسماء الحي اللاتيني وعلى الشواطئ أسماء مسابح بياريتز. وكانت "الأوريان" تفوق الصحف الأخرى توزيعاً والسرايا تخاف جورج نقاش.
"غاز بروم"؟ لمَ لا؟ أليس لون النفط ولون سعره ولون حصصه واحداً؟ هل خيّل إليك أن الرفاق الروس سوف يفرضون التعامل بالروبل؟ إنهم أكثر من يعرف معنى العملات الصعبة. وهذه ترجمة خاطئة يراد بها العملة الصلبة. إنما نحن في بلاد تستسهل التبعية دون أسئلة. السوفيات كانوا يكرهون الْخيار لأنه(1) يبعث على القلق. لذلك كانت لديهم صحف تصدر في نص واحد وأحياناً عناوين واحدة. اللعنة على الشك والتساؤل. علّمنا الفرنسيون أشياء غريبة عنا. وأرسلوا إلينا رجالاً من طراز لامارتين ودو نرفال ورينان وشاتوبريان وموريس باريس وبيار لوتي وكل من كان أديباً عظيماً قالوا له اذهب الى الشرق. إنها تشرق من هناك. إليكم الشرق الذي خدعتمونا به. إليكم ماذا نتج من لقاء فخرالدين ولامارتين. وبكركي التي طردت المفوض السامي موريس ساراي لأنه ماسوني لا يحضر القداس على نيّة فرنسا، تريد أن تحرر نفسها من معاهدات لم يعد لها معنى اليوم.
هذا لبنان الجديد، المنفتح على أنداده في القوى العظمى. فليذهب عصر القلق الى الجحيم. الثروة طالعة من أعماق البحر، و"غاز بروم" تتقدم. عنوان المرحلة.