إلى المحتوى
حركة التجدد الديمقراطي
مختارات/

محاكمـــة الطوبـاويـــات - عباس بيضون (السفير)

يصح أن نتساءل إذا كان الكتّاب والفنانون قد انشغلوا عن المقاهي أو انهم تفرقوا عن بعضهم بعضا فما عاد يعنيهم أن يلتقوا في مقهى أو مشرب. من قبل كانت هناك مقاه نلتقي فيها بلابسي النظارات السميكة، والمتكلمين بألفاظ وصيغ وربما لهجات غير مألوفة للناس. مقاه تعج بهؤلاء، كانوا في تلك الأحيان زمرة واحدة، كان لهم مجتمعهم أو قشرتهم الاجتماعية، في بغداد أطلقوا على مقهى من هذا الصنف اسم مقهى المعقدين. في غير بغداد، في بيروت مثلاً، كان لهؤلاء المستغْرَبين، أيضاً مقاهيهم، ولأن لبنان صغير فقد كانوا فئة صغيرة، أمكن دائماً حشرها في مقهى واحد. كان بحسب ذاكرتي الهورس شو، الانكل سام، والأكسبرس فالمودكا والويمبي. ثم تفرقت بهم السبل فما عادوا يجتمعون في مكان، يمكن لأي منا ان يتذكر متى التقى بفلان وفلان ممن كانوا أسماء في الأدب والصحافة وسيكون مكان اللقاء في الغالب واحداً من هذه المقاهي.
الأمر نفسه كان في دمشق وفي القاهرة، سوريا ومصر كبيران بالقياس إلى لبنان الذي لا يزيد عديده عن سكان حيّ في القاهرة، لذا كانت هذه الفئة في لبنان تكاد تكون عائلة ويكاد أفرادها ان يكونوا جميعاً زملاء ورفقة. كنا لا نزال في أوائل فتوتنا وأوائل عهدنا بالكتابة حينما بدأ بعضنا يؤمون بيروت وهذا ميسور للغاية في بلد كلبنان مسافاته قصيرة وقريبة. يعودون وقد التقوا بأدباء العاصمة، ولم يكن ذلك صعباً. كنت تصادفهم في أماكن قليلة من بينها ذلك المقهى الجامع، كانوا هكذا يتصاحبون ويتعاشرون ويتزاملون وتنشأ بينهم صداقات وصحبة ورفقة.
لم يعد لبنان أكبر بكثير، زاد بدون شك، من مليونين إلى أربعة. لكن ما اخترقه وعانى منه وانفجر على أرضه كان فوق طاقته، وفوق حجمه، وفوق مداه، هذا البلد الصغير شمله الاحتراب الأهلي مرة بعد مرة، وفي كل مرة يستعصي الشرخ أكثر على الرتق ويستعصي الحريق أكثر على الإطفاء. وفي كل مرة يستمر التفتيت ويستمر التذرر وقتاً أطول فتنهار الدولة وتتقطع السبل وينفرط المجتمع ويتوزع. انها انتكاسة إلى عشائر وقبائل، انتكاسة إلى ما قبل المجتمع وما قبل الدولة. ما يعصف بالمجتمع كله يفرط العرى كلها، ويفرق الفئات ويعصف بكل المجموعات مهما كان أساس تواجدها، وخاصة تلك الروابط التي استحدثت وصدرت عن علاقات مستجدة، علاقات تضع المصلحة أو التشارك والزمالة مكان الدم والسلالة، وتجمع الناس على أسس تتصل بحاضرهم ومعاشهم ومزاجهم وتفكيرهم وتقديرهم. هكذا انفرطت النقابات وهزلت الروابط المهنية وهزلت الأحزاب وانحلت المؤسسات المختلطة.
لا نعرف إذا كان ما ناب بالمثقفين، الكتّاب منهم بخاصة، يندرج في هذا السياق. ليست الطائفية المباشرة والمعلنة وحدها العلة في لبنان. من الواضح في بلد كلبنان فيه ما فيه من نسبة التعليم ومنه ما فيه من الحداثة والتمغرب، من الواضح ان بلداً كهذا لا تلائم مثقفيه المحترفين الطائفية المباشرة ولا الانتكاس الصريح إلى العشيرة الطائفية. لا يناسبهم هذا أمام غيرهم أو أمام أنفسهم. لكن في اللاوعي الطائفي يتم الإعلاء والتسامي بالطائفية بطرق أخرى، الإعلاء القومي والإعلاء الوطني والإعلاء الأممي والإعلاء الطبقي، هذه مستويات من الإعلاء الذي لا ينم عن جذوره الطائفية إلا كونه ينتشر في حيز طائفي وحدود طائفية، فالعقيدة العروبوية تنتشر في محيط مسلم والعقيدة اللبنانوية تنتشر في محيط مسيحي واليسار والماركسية علم على المثقفين المسلمين والمقاومة علم على الشيعة. نحن بإذن امام طوباويات مختلفة، طوباويات قومية ووطنية وأممية واشتراكية وتحررية، كانت الحرب هي انفجار هذه الطوباويات، هي تنازعها واحترابها على أرض الطوائف، عنى ذلك للعجب قيام طوباويات حديثة بالانقضاض على المجتمع الحديث، والقضاء بواسطتها على الدولة والمجتمع المدني، عنى انتكاس هذا التسامي الحديث إلى كهوف طوائفية، انتكاسها إلى أساطير دموية وأساطير ما قبل دولتيهة وما قبل مجتمعية. انتكاس شكل بالنسبة للبعض، والمثقفين المحترفين بخاصة، تصفية حساب مع هذه الطوباويات ووضعها على محك النقد ومحاكمتها ومراجعتها. كانت النتيجة متفارقة إلى حد بعيد، البعض انتكسوا إلى عشائرهم وطوائفهم عبر انتماءات واعية أو عبر طوباويات أخرى لم تكن هذه المرة حصينة كالأولى. البعض انتهى إلى انكار كل طوباوية والتزام موقف نقدي تجاه كل شيء، موقف يتبنى ظرفية الأفكار ونسبيتها ومحدوديتها.
نعود إلى ما بدأنا به هذه المقالة، نعود إلى اجتماع الكتّاب والفنانين والمثقفين المنتجين في متوالية من المقاهي سبق ان سميناها. هل يعني انصرافهم عنها انصرافهم عن الدافع إلى الاجتماع وارتضاء التفرق والتذرر بعد أن فقدوا أي جامع حقيقي، أو ان هذا التوزع لا يعدو أن يكون واحداً من تجليات انفراط المجتمع وبخاصة قطاعاته الحديثة، فكان انفراط عقد المثقفين جزءاً من انفراط كل مواقع المجتمع الحديث، لا بد ان المواقع أصابها قدر كبير من الوهن والضعف والتراخي والركود بحيث ان أفرادها ما عادوا يشعرون بحاجة إلى كيان جامع أو حيز مشترك أو سجال عام، وبحيث أنهم كانوا من بين الذين نابهم تذرر المجتمع وانسداد آفاقه، بين الذين نابهم سقوط قيمه وانتكاسه إلى ما قبل نشوئه.
 

← العودة إلى مختارات