هدف الفراغ مؤتمر تأسيسي ينشده "حزب الله" ميقاتي يعول على بري صمّام أمان تفادياً للمجهول - سابين عويس (النهار)
كل المسالك المؤدية الى مشهد برلماني جديد ( ليس بالضرورة على قاعدة قانون انتخاب جديد) لا تزال محفوفة بالمخاطر والألغام أقله في الايام القليلة الفاصلة عن ٢١ آذار الجاري، موعد جلسة مجلس الوزراء التي ستنظر في تأليف هيئة الاشراف على الانتخابات.
لكنها لن تبقى كذلك بعد هذا التاريخ، على ما يؤكد رئيس الحكومة نجيب ميقاتي امام زواره.
فالمرحلة الفاصلة عن هذا التاريخ ضاغطة في كل الاتجاهات، لكنها لن تفضي حتما إلى الفراغ الذي بدأ يشكل قلقا حقيقيا يخشى إذا ما طالت حال المراوحة أن يتحول واقعا ينسحب على كل مؤسسات الدولة.
لا يخشى رئيس الحكومة على مصير حكومته. فهي على تصدعها لا تزال حاجة لكل مكوناتها، وليس لدى أي منها رغبة في إزاحتها ما لم يتوافر البديل لها، الذي يشترط لقيامه ان يحفظ الاستقرار ويبتعد عن نار الأزمة السورية. وكل كلام على تباينات وخلافات يبقى تحت الهامش المتاح للعبة السياسية.
يتمسك ميقاتي بممارسة صلاحياته الدستورية. ومن هذا المنطلق، يعتبر ان دعوته الهيئات الناخبة ليست الا عملا إجرائيا لا بد للحكومة من إتباعه، والا اتهمت بالتقاعس.
اما قرار الانتخابات او عدمها وعلى أساس أي قانون، فهذا لم يعد قرار الحكومة التي يبقى لها أن تحسم في قرار تأليف الهيئة المشرفة على الانتخابات والتي في ضوئها ينجلي الخيط الابيض من الخيط الاسود وتتبلور مواقف القوى السياسية من الاستحقاق الدستوري، والتي سيكون عليها عندها ان تتحمل مسؤولية قراراتها وأين تأخذ البلاد بها.
إذا بدأت مرحلة العد العكسي، وبدأ معها منسوب الضغط بالارتفاع ليفضي في نهاية المطاف إلى خيار من إثنين: إما قانون ينظم الانتخابات ويلتزم المواعيد ( وان ضمن تأجيل تقني بحت) وإما التمديد للمجلس على قاعدة ان الفراغ ممنوع نظرا الى العواقب الوخيمة التي يرتبها والتي لا قدرة لأي فريق سياسي على تحمل مخاطر المغامرة بها.
ورغم التباينات الحادة التي طفت بين ميقاتي ورئيس المجلس نبيه بري على خلفية موقف رئيس الحكومة من تصريحات وزير الخارجية عدنان منصور ، فهي في رأي ميقاتي لا تتجاوز هذه الحدود. والنبرة العالية ليست الا لتحصين المواقع.
فرئيس الحكومة المتمسك بسياسة النأي عن كل ما يتعلق بسوريا ، لا يشعر بأن ثمة حاجة إلى تسجيل موقف في حضن الجامعة العربية يثير استياء الدول الاعضاء من دون ان يحصد كلمة شكر واحدة في المقابل. فلماذا المواقف المجانية التي لا تغني ولا تسمن ولا مردود لها، بل تزيد الامور تعقيدا مع دول الخليج وتستدعي إزالة الالتباس وتجديد تأكيد الموقف الرسمي للبنان بقطع النظر عن المواقف الشخصية للوزراء التي لا تعكس هذا الموقف؟
لن تؤدي التباينات بين ميقاتي وبري او مع "حزب الله" الى اكثر من زوبعة في فنجان. إذ بات جليا أن لا قرار بإسقاط الحكومة، والكل يعمل على هذا الأساس.
فرئيس الحكومة يعول كثيراً على رئيس المجلس لتجاوز مأزق الاستحقاق الانتخابي. ويقول امام زواره أن بري لن يقدم على دعوة الهيئة العامة الى الانعقاد ما لم يكن هناك توافق بين المكونات السياسية. وهو - أي الرئيس بري - مدرك لحجم المخاطر المترتبة على الفراغ في السلطة التشريعية وفي موقع الرئاسة الثانية .
والأمر في رأي ميقاتي تجاوز مسألة الحكومة وبقائها او عدمه، فهذه المسألة لم تعد في التداول، ولن يكون مصير الحكومة مطروحا الا اذا تقررت الانتخابات، على قاعدة ان ميقاتي قد يرغب في الترشح للنيابة ولن يرضى بالجمع بين الترشح وموقع رئاسة السلطة التنفيذية.
هذا الموقف الذي سبق ان أعلنه ميقاتي وأثار التباسا حول رغبته في الاستقالة، ليس بحسب عارفي الرجل الا في اطار استراتيجية المخرج الدستوري الذي يبحث عنه لاستقالة الحكومة عندما يحين وقت خروجه من السلطة.
وحده ميقاتي يعرف هذا الموعد وفي جعبته معالم المرحلة المقبلة وخطط مواجهتها.
لا يبدو قلقا من تلك المرحلة وهو ينام على دعم أميركي وأوروبي قل مثيله لحكومات في مثل ظروف حكومته . لكنه يدرك ان هذا الدعم سيظل قائما وقويا ما دام يلتزم الاستقرار الداخلي والابتعاد عن الأزمة السورية، وهما الشرطان الاساسيان للدعم الدولي.
ولأن الاستقرار يتقدم على ما عداه من استحقاقات حتى ولو كانت انتخابية، فالحكومة في مثل هذه الحالة باقية، ومعها المجلس النيابي بأكثريته الحالية، وليس في الأفق أي ملامح لتغيير في المشهد، ما لم يبرز تطور في المشهد السوري يعيد خلط الاوراق. بل على العكس، كل المؤشرات تشي برغبة الأكثرية الحاكمة في ترميم الوضع الحكومي.
واذا كان رئيس الحكومة مقتنعاً حتى الآن بسيناريو كهذا نتيجة الإرباك والهواجس القائمة لدى مختلف الأطراف نتيجة الوضع السوري، معطوف عليها قرار داخلي لدى حزب الله بعدم الانزلاق نحو الفوضى، فإن مراجع سياسية لا تبدو مقتنعة بسيناريو المراوحة، وإن كانت تؤمن بأن لا مصلحة لـ"حزب الله" في تفجير الوضع الداخلي، بل تبدي خشيتها العميقة من سيناريو الفراغ الذي يهدد البلاد، والقائم على الدفع في اتجاه تفريغ كل المؤسسات الدستورية على مستوى السلطات التنفيذية والتشريعية والأمنية والقضائية لبلوغ الهدف الاساسي الذي بدأ يتبلور مع إقرار المشروع الأرثوذكسي.
لم تعد المثالثة سوى المحطة الاولى نحو صياغة مشروع تأسيسي جديد يدفن ميثاق الطائف ويعيد صياغة دستور جديد لا يقوم على صيغة التعايش المشترك بقدر ما يقوم على ميزان القوى الجديد الذي فرضته متغيرات الأعوام الاخيرة.
ولم يكن عبثا طرح "حزب الله" عبر أمينه العام عقد مؤتمر تأسيسي للنظر في مستقبل لبنان ونظامه السياسي، كما لم يأت من فراغ دعمه للمشروع الأرثوذكسي وكل ما ينادي به الحليف المسيحي النائب ميشال عون.