حكمة المسيحيين المفقودة في معرفة اختيار المعارك أو تجنبها - دنيز عطالله حداد (السفير)
عمم عضو الهيئة التنفيذية في الرابطة المارونية حكمت ابو زيد رسالة على عدد من أعضاء الرابطة استشهد فيها بعبارة لأحد أشهر العسكريين الاستراتيجيين الصيني سون تزو صاحب كتاب «فن الحرب». تقول العبارة «ان الحكمة في خوض القتال تكمن في معرفة اختيار المعارك». رسالة أبو زيد التي تُقرأ من عنوانها والتي قاربت واقع الحال المسيحي منذ 2005 الى اليوم، واضعة الإصبع على جراح كثيرة، هدفت الى لفت نظر المتصارعين على الرابطة المارونية الى «الحكمة» في اختيار المعارك كما في تجنبها.
لكن ما فات أبو زيد، وعلى الأرجح تقصد أن يفوته، هو الخبير في «العقلية» المسيحية والمارونية تحديدا، أن المسيحيين اللبنانيين اشتهروا في خوض المعارك الخاطئة في الأزمنة الخاطئة، أقله منذ أن نال لبنان استقلاله، «درة تاج الإنجازات المارونية»، على ما يرددون. منذ ذاك التاريخ اشتهر المسيحيون في خوض صراعاتهم الصغيرة وتضخيمها وتحويلها الى قضايا مصيرية تضعهم وتضع معهم البلد على كف عفريت أثبت مرارا انه أرحم منهم عليهم. «فأقسى الصراعات اللبنانية كانت ولا تزال تلك التي يخوضها المسيحيون في مواجهة بعضهم البعض» يقول أحد الموارنة الناقمين.
انتخابات الرابطة المارونية تفصيل صغير جدا في المشهد العام، وان كانت مؤشرا على صراع الأحجام والنفوذ وصندوق بريد متعدد العناوين.
ليست الحكمة في اختيار المعارك هو ما اشتهر به المسيحيون. قانون «اللقاء الارثوذكسي» الانتخابي آخر دليل. فحين تلاقت الأحزاب المسيحية على قضية، اختارتها مناقضة تماما لدورها المفترض والمروج له على امتداد عقود، أي دور المنفتح المتمسك بالشراكة الوطنية تمسكه بعدالة المساواة والتمثيل، الباحث عن التجديد والتطوير في الحياة السياسية وتكريس الديموقراطية، ولو التوافقية، معيارا في الخيارات الوطنية الكبرى.
مرة جديدة أثبت المسيحيون أن بين «قولنا» و«العمل» أشواطا من «التشاطر» اللبناني المناقض للشطارة الفعلية. فالأحزاب التي تكتلت اليوم بدا أنها تواجه أول من تواجه كتلة غير بسيطة من «المستقلين» المسيحيين. كتلة لا يمكن أن تستخف بها. ليست حزبا موحدا، ولن تصير، برغم المحاولات الحثيثة. فأقسى ما يمكن أن يجمعها لقاء أو تجمع. لكن هذه القوى، على عيوبها، تعبّر عن مزاج عام حقيقي وتعكس بعض وجوهه. مزاج أفراد يريدون أن يبقوا كذلك. أفراد يناصرون فكرة أو موقفا ويعارضون اخرى. أفراد قد يختارون التصويت لأحد الحزبيين سواء في «8 أو 14 آذار» كما قد يختارون مستقلا أو صاحب قضية محددة أو امرأة.
لكن الاحزاب المسيحية اختارت ان تخوض معركة «اللقاء الارثوذكسي» متكئة على قوة تكاتفها وتضامنها. تكاتف وتضامن شكليان وهشان أساسهما الشك والخوف من بعضهما البعض. قطعت الاحزاب الاتصالات مع بعض المستقلين. فلا لقاء ولا موعد ولا حتى اعتبار لأصحاب الرأي المختلف. «الفكر الإلغائي راسخ في عقلية الاحزاب المسيحية»، يقول أحد السياسيين المستقلين، ويضيف ساخرا «على الأقل هناك فكر ما لدى هذه الاحزاب التي تتصارع وتتنافس على السلطة والمقاعد والمواقع من دون ان يكون لديها مشاريع وطروحات ورؤى، حتى لا نقول «فكر وعقائد»، اذا اعتبرنا ان هذا كلام من زمن مضى».
عن هذه الرؤى والمشاريع والطروحات، تقول شخصية سياسية «ان الواقع المسيحي اليوم على مفترق طرق خطير بسبب غياب الرؤية والتبصر لدى المسؤولين المسيحيين. فماذا يستفيد المسيحيون اذا ربحوا 70 نائبا وخسروا لبنان؟ هل يملكون مشروعا واضحا؟ هل يتفقون على ورقة إصلاحية سياسية أو اقتصادية؟ ألا يتشابهون في تناتش الحصص وتقاسم الجبنة؟ ألم يثبتوا واحدا تلو الآخر أن مفهومهم للدولة هو اعتبارها بقرة حلوباً ومصدر ربح ومحسوبيات؟ من منهم يملك تصوراً واقعياً لما يريده للبنان وكيفية العمل للوصول اليه؟ يغرقون في شعارات فضفاضة مستوحاة من كتب ابتدائية من دون ترجمات عملية. أما ما يتقنونه فعليا فهو الشحن الطائفي حيناً والتحريض المذهبي حيناً آخر والاستنفار الدائم في مواجهة بعضهم البعض، ان لم يكن حول ملفات صغيرة بحجم صراعاتهم، فبنبش القبور وفتح ملفات الماضي».
ليست «معرفة اختيار المعارك» ميزة مسيحيي لبنان. ولإنصافهم تقتضي الإشارة الى «معارك» واحدة يحسنون عنوانها هي استقلال لبنان والحرية فيه. وحتى في هذه، يجيدون التمسك بالعنوان ويفتقدون في كثير من الاحيان «الحكمة» في الإدارة وفي الأسلوب والسلوك. والدليل انحيازاتهم اليوم في معسكرين متواجهين وتصدرهم صراعات تبدأ من ايران والسعودية ولا تنتهي في أميركا وروسيا ومن بينها من شعوب ودول. انحيازات قد تجعلهم يدفعون، من جديد، الثمن الأغلى من استقلال لبنان، ان لم يكن من وجوده وفكرته.
وتسألون عن معرفة اختيار المعارك أو تجنبها؟