أقلّيات نيابية بدلاً من أكثرية وأقلّية - شارل جبور (الجمهورية)
كلّ المؤشرات تدلّ أنّ هناك تحوّلاً في المشهد السياسي، ليس بمعنى الفرز الوطني كما حصل مع النائب وليد جنبلاط، إنّما على قاعدة قيام تكتلات نيابية على أنقاض كتلة نوّاب 14 آ
فشل 14 آذار بالتحوّل إلى جبهة سياسية قادرة على تجاوز خصوصيات مكوّناتها سياسيّاً ونيابيّاً، وفشلها في الاتفاق على رؤية انتخابية مشتركة، سيدفع المشهد السياسي إلى الانتقال من أكثرية وأقلّية إلى مجموعة أقلّيات نيابية يشكّل ائتلافها الأكثرية المطلوبة لتشكيل حكومة أو التصويت على مشروع أو اقتراح قانون، بمعنى انتفاء مركزيّة 14 آذار أو هذا التحالف بحدّ ذاته لمصلحة مكوّنات مستقلّة بالتمام والكمال بعيداً عن أيّ تحالف جبهوي.وهذا التطوّر يعني عمليّاً نهاية تجربة بدأت مع أوّل انتخابات بعد خروج الجيش السوري من لبنان، واستمرّت بفعل الانقسام الوطني الحاد والتقاطع على مروحة من الثوابت والمسلّمات، وفي ظلّ غياب أيّ احتمال أو تصوّر لمراجعة سياسية لهذه التجربة.
صحيح أنّ تسارع الأحداث السياسية بعد اغتيال الشهيد رفيق الحريري، فضلاً عن وجود الدكتور سمير جعجع في المعتقل وعدم استعادة الرئيس أمين الجميّل حزب الكتائب، ساهمت في تكوين المشهد المتعارف عليه، ولكنّ جعجع والجميّل لم يفصحا يوماً عن رغبتهما في الذهاب إلى مكان بديل، بل كلّ الكلام والأفكار والمداولات كانت تتركّز على تطوير 14 آذار، إلّا أنّ معظم الأمور في النهاية تأتي وليدة تطوّرات وليس تخطيط مسبق.
لا شك في أنّ قوانين الانتخابات تلعب دوراً أساسيّا في التشجيع على قيام تكتّلات نيابية، خصوصاً مع إدخال النسبية التي تتيح لكلّ طرف التحكّم بشكل أو بآخر بحصّته النيابية، فضلاً عن أنّ زيادة تأثير الصوت المسيحي تسمح بتوسيع حجم التكتلات الحزبية المسيحية، إلّا أنّ التطوّر الأبرز يبقى، في حال صحّت المؤشّرات، في التوجّه القواتي والكتائبي لتشكيل تكتُّلين نيابيّين منفصلين تماماً عن تيار "المستقبل"، ما يمهّد لنشوء واقع سياسيّ جديد تتقاطع فيه المكوّنات الحزبية السابقة لقوى 14 آذار في المواقف الوطنية ووفق كلّ قضية وملفّ غبّ الطلب من دون أن يكون أيّ مكوّن ملزماً بموقف الآخر أو مضطرّاً لتغطيته ومجاراته.
لا يجب النظر إلى هذا التطوّر على أنّه نهاية المطاف، خصوصاً أنّ الالتقاء في الأهداف الكبرى لم يتبدّل، ولكنّ هذا الواقع يعطي المكوّنين الحزبيين المسيحيين استقلاليّة سياسية ويزيل أيّ انطباع، ولو كان غير دقيق، بأنّ الإدارة السياسية لقوى 14 آذار ممسوكة من قِبل المستقبل من جهة، وبأنّه يتفرّد بخطوات من دون التنسيق مع حلفائه من جهة أخرى.
لن يكون ممكناً بعد اليوم الكلام عن 14 آذار بالشكل المتعارف عليه، وهذا الأمر لا يعني انفراط صفوف الفريق السياديّ لمصلحة الفريق الآخر، إنّما مجرّد شكل جديد من أشكال التحالف السياسي الذي يشعر فيه كلّ طرف باستقلاليته وحيثيته وهامشه السياسي.
يكابر كلّ من يدّعي أنّ 14 آذار كانت قبل الخلاف الانتخابي على أفضل ما يرام، فهي كانت تنازع عمليّاً أو يسودها بأفضل الأحوال الجمود، والرهان على تطويرها كان مجرّد وهم، وكلّ المحاولات في هذا الاتجاه باءت بالفشل، بمعزل عن مسؤولية هذا الطرف أو ذاك، وبالتالي كان المطلوب الخروج من هذا المستنقع إمّا بالتطوير والتحديث أو بالانتقال إلى تجربة جديدة.
وقد تكون هذه النقزة ضرورية لإعادة تحريك المياه الراكدة داخل الجسم الاستقلالي وتزخيم الديناميات الحزبية والمستقلّة، وإشعار كلّ مكوّن بمدى حاجته للآخر، على قاعدة الشراكة السويّة والندّية السياسية، خصوصاً أنّه من حقّ أيّ مكوّن أن يتصرّف بما يتلاءم مع أجندته وأولوياته، ولكن كان من الأجدى لو لم يحصل هذا التطوّر نتيجة "الأرثوذكسي" الذي خطورته تكمن في إهداء 8 آذار الفوز السياسي-الانتخابي وتعريض الطائفتين السنّية والدرزية لامتحان دقيق لا يخدم المصلحة الوطنية.