انتخابات المذاهب وصراعات المحاور - رفيق خوري (الانوار)
يوم ١٩ شباط ليس بداية التاريخ ولا نهايته. فلا هو مفصول عما حدث قبله. ولا هو فاصل في ما يحدث بعده. والسؤال هو: ماذا بعد يوم أسود عند الرئيس سعد الحريري، وأبيض عند العماد ميشال عون، وحزين عند وليد جنبلاط، ومن العصر الحجري عند الرئيس عمر كرامي، ومن علامات الأزمنة عند الخائفين على لبنان. هل هناك فرصة للوصول الى يوم رمادي؟ وأين تبدأ الرغبة وتنتهي القدرة بالنسبة الى احتمالات التوافق الى قانون انتخاب يخرج الجميع من الورطة؟
المؤكد ان الضرر وقع، ولو لم يصل الى نهاية الطريق مشروع اللقاء الأرثوذكسي الذي تبنّته القيادات المارونية والشيعية ورفضته القيادات السنّية والدرزية، ولم تتحمّس له المراجع الأرثوذكسية. ضرر الشرخ السياسي في تحالف ١٤ آذار مقابل الصف المرصوص لدى ٨ آذار. ضرر الشرخ الطائفي المفتوح على اشتعال الصراع المذهبي.
وضرر الخلاف في السلطة بين موقف الرئيس ميشال سليمان الذي يرى ان المشروع مخالف للدستور والميثاق وبين موقف مكوّنات الحكومة التي أرسلت مشروع قانون الى المجلس لتصوّت على مشروع آخر.
والضرر أكبر، اذا صار المشروع قانوناً تجرى الانتخابات على أساسه أو بقيت الأمور معلقة من دون انتخابات على الطريق الى الفراغ السياسي. ففي الشكل ومن الناحية التقنية يبدو المشروع كأنه على صورة لبنان الطائفي والمذهبي ومثاله. أما في الجوهر وبالمعنى الوطني والسياسي، فإنه على صورة القيادات وحساباتها واندفاعها لجعل لبنان على صورتها ومثالها. وهو مشروع بائس يائس يعيد البلد الى مرحلة ما قبل الدولة. اذ حين تصبح المذاهب كيانات مغلقة ومنعزلة تختار وحدها نوابها، فإنها تعلن، لا فقط قطع الطريق على مشروع الدولة بل أيضاً انتفاء الحاجة الى الدولة والتخلي حتى عن واقع الوطن الواحد.
واذا كان المعيار هو صحة التمثيل المسيحي، فإن المسيحيين ليسوا موحدين. والنواب الذين ينتخبونهم لن يلعبوا دور الكاتاليست بين السنة والشيعة بمقدار ما سيتوزعون سياسياً بينهما. والمطلوب ليس الوصول الى أحادية مسيحية مثل الأحاديات السنية والشيعية والدرزية، بل تفكيك الأحاديات في كل الطوائف والمذاهب لكي تصبح التعددية فيها أساس التعددية في النظام.
وليست انتخابات المذاهب سوى تظهير لصورة الاندفاع اللبناني في صراعات المحاور والمشاريع الإقليمية بطابعها المذهبي. فأين هذا من اعلان بعبدا والحياد بين المحاور؟ المفارقة ان الكل يتحدث عن المخاطر على لبنان من حرب سوريا وسواها، لكن ما نفعله هو الانخراط في المخاطر بدل البحث عن الفرص.