في هندسة «ترتيب الأراضي» - حبيب معلوف (السفير)
لقد كان مطلب كثيرين (في طليعتهم النقيب الراحل عاصم سلام) بعد نهاية الحرب الأهلية في لبنان وبداية فترة إعادة الاعمار، ضرورة وجود مخطط توجيهي شامل لترتيب الأراضي اللبنانية وإعادة النظر بالتنظيم المدني. كما كان المأخذ الرئيسي على حكومات ما بعد الطائف، إلغاء وزارة التخطيط ونقل مهامها الرئيسية الى مجلس الإنماء والإعمار. وظل هذا الجدل والضغط قائماً لحين صدور «الخطة الشاملة لترتيب الاراضي اللبنانية» في مرسوم العام 2009، الا ان شيئاً لم يتحقق بعد صدور هذا المرسوم مما دفع كثيرين، وبينهم نقابة المهندسين في بيروت، لإعادة تحريك هذا الملف، خصوصاً ان هذا المخطط، كما قيل دائماً، لا يمكن أن يشكل بديلاً عن استراتيجية للتنمية المستدامة يتم تبنيها على مستوى الدولة وتكون ملزمة لكل الوزارات والإدارات المعنية.
تستضيف نقابة المهندسين في بيروت بعد غد الخميس اجتماعاً تشاورياً لبلورة خطة تحرك متكاملة لمتابعة توصيات أعمال ورشة «التنمية الشاملة في لبنان، مسار ورؤية» التي عقدت العام الماضي في 28/6/2012 ونسق أعمالها المهندس ميشال عقل. أعمال الورشة وتوصياتها صدرت في كتاب سيكون على جدول الأعمال وهو يتضمّن الكثير من الآراء المتقدمة التي يمكن أن تساهم في بلورة رؤية للتنمية الشاملة والمستدامة في لبنان. وإسهاماً في النقاش، نورد بعض الملاحظات على التوصيات والرؤية التي تقترحها النقابة بالتعاون مع الكثير من الخبراء والجهات المعنية.
تقترح التوصيات بناء «خطة إنمائية وطنية شاملة ومستدامة» تنطلق من معطيات الخطة الشاملة لترتيب الأراضي التي أعدّها مجلس الإنماء (بالتعاون مع شركة فرنسية متخصّصة) وصدرت في مرسوم. لعل الجديد في بحث النقابة والكثير من الدوائر العلمية والهندسية في لبنان، هو إدخال مفهوم «الاستدامة» بالإضافة إلى مفهوم الشمولية، عندما نتحدث عن التنمية في لبنان. ولكن هل تم احترام متطلبات هذا المفهوم في التوصيات المقترحة؟
من اللافت أيضاً استغناء التوصيات عن استخدام مفهوم «التنمية المتوازنة» التي تعني في لبنان التنمية على اساس طائفي او مذهبي او مناطقي وليس التنمية المتكاملة التي تعني «تنمية» حسب الطبيعة اللبنانية ومتطلبات السكان مهما كان نوعهم، من دون تكرار... لا بل تقوم على تعزيز التنوع. الا ان التوصيات لا تزال تتمسك بمطلب وهدف «التوزيع العادل للثروة الوطنية بين المناطق والقطاعات والسكان». وهذا يعني ان التوصيات تتحدث عن الموارد والثروات كمعطى وان المشكلة فقط هي في استغلال قلة لهذه الثروات، وان الحل بـ«إعادة التوزيع». وهذا يعني في الحصيلة أن المشكلة ليست في الاستغلال الجائر بحد ذاته وفي عدم استدامة الموارد، وأن الحل باستبدال الأقلية بأكثرية مستغلة! مما يفاقم المشكلات بدل أن يحلّها.
صحيح أن التوصيات تتبنّى كل المقولات والتوجّهات الجديدة نحو الاقتصاد الأخضر والطاقات المتجددة... ولكنها تدعو أيضاً الى «الاستثمار في الثروة المائية والتوجه نحو إدخال النفط كثروة وطنية محتملة». وهذا يعني أن التنمية الشاملة تتطلب إنشاء السدود السطحية لجمع المياه والتنقيب عن النفط والغاز، وهما خياران فيهما الكثير من المغامرة ولا يتصفان بـ«الاستدامة» التي تتحدث عنها التوصيات.
فإذا كانت المقترحات للتنمية الشاملة تستند الى دراسة المخطط التوجيهي الشامل لترتيب الأراضي، فإن هذا المخطط لم يدرس إمكانيات المياه المتوفرة في لبنان والمعطاة من الينابيع الطبيعية من دون الحاجة الى استثمارات كبيرة كالسدود. ولا درس هذا «المخطط» الطاقات المتجددة في لبنان من مائية وشمسية وهوائية وحيوية. فكيف خرجنا بهذه التوصيات والدراسات لم تستكمل بعد، مع العلم أن هذه الملاحظات كانت قد قدّمت أثناء عقد مجلس الإنماء والإعمار اجتماعات كثيرة لشرح الخطة واخذ الملاحظات (لاسيما العام 2005)، وقد اعترف خبراء المجلس بهذا النقص الذي لم يستكمل. كما ان المخطط لا يتطرق الى موضوع التنقيب عن النفط والغاز ولا درس وحلل الإمكانات والمخاطر، فكيف تم اعتماد هذه التوصيات والخيارات؟ ثم هل موضوع انشاء سدود سطحية لجمع المياه وتعريضها للتبخر والتلوث وجعلها اهدافاً سهلة لأية عدوان او أي زلزال... يعتبر خياراً مستداماً؟ّ! وهل خيار التنقيب عن النفط والغاز الذي يصنف في طبيعته كمورد ناضب حتماً وغير متجدد، يعتبر خياراً يحمل صفة الاستدامة؟!
المشكلة اذاً هي في المفاهيم التي لم تعرها النقاشات والتوصيات اهتماماً كافياً، لاسيما مفهوم «الاستدامة». كما هناك مشكلة في مفهوم «ترتيب الأراضي» الغربي، الذي يعتبر مفهوماً قديماً تجاوزه الزمن وقد بات أكثر شمولاً، لا يقتصر على المناطق المدينية والريفية والزراعية والصناعية والتراثية والطبيعية والأثرية، بل يفترض أن يشمل أيضاً التنوع البيولوجي وقدرات الهواء والشمس والمياه لتوليد الطاقة... على سبيل المثال.
تترك التوصيات الخيارات مفتوحة بين «اعادة وزارة التصميم والتخطيط العام» او «إعادة هيكلة وتفعيل مجلس الانماء والاعمار»، وهي توصية تحتاج الى المزيد من النقاش، لأن هذه الهيئات هي التي يفترض بها أن تخطط لكل ما هو مطلوب للتنمية الشاملة... ولكنها على ما يبدو غير قادرة على تحقيق مفهوم الاستدامة، وربما لهذا السبب تم الاستدراك في التوصية العاشرة بتخصيصها للمطالبة بإعطاء وزارة البيئة الاهتمام الذي تستحقه والتي كان يفترض بها أن تضع منذ إنشائها استراتيجية وطنية للتنمية المستدامة.
من حسنات التوصيات انها لا تغفل ما أغفله المخطط التوجيهي من معالجة القضايا المصنفة «طارئة» والتي لا تستطيع ان تنتظر وجود خطة شاملة وتحتاج الى خطة طارئة لاسيما لمعالجة تشويهات المقالع والمرامل وحل مشكلة النفايات الصلبة والسائلة والتعديات على الشاطئ ومجاري الأنهر وفوضى الإعلانات...الخ مع العلم ان هذه القضايا وغيرها الكثير، كان يمكن ان تدرج في الخطط الشاملة او الاستراتيجيات المستدامة، لو قامت وزارة البيئة بمهامها الاستراتيجية ولو قامت دولة فعلية في لبنان.
كما على نقابة المهندسين في المناسبة نفسها ان تناقش اقتراح ما بات يعرف بـ«طابق الميقاتي» وانعكاساته، بعد أن عرفت اكثر من غيرها اثر «طابق المر» الدراماتيكي على العمارة اللبنانية وعدم استدامتها، ضمن الأمور «الطارئة» أيضاً.