عون وعونيّو «14 آذار» و«بوسطة الفتنة» - أسعد بشاره (الجمهورية)
هل يمكن فصل ما جرى في كفرذبيان عن السلسلة الطويلة من حفلات التحريض الطائفي الممنهَج التي مارسها من حاولوا قطع كل الطرق من الأعلى، قبل أن تترجم في الأسفل باحتقانات طائفية لا تشبه إلّا الأجواء التحضيرية التي كانت احد أسباب اندلاع الحرب الأهلية في العام 1975؟
لقد كان أحد الأطراف الأساسيين الذي تولّى التحريض، وفيما بعد التهدئة، أي رئيس تكتل "التغيير والإصلاح" العماد ميشال عون، مُحقاً عندما وصف حادثة كفرذبيان بأنها تشبه بوسطة عين رمانة جديدة، ولكنّ الجنرال لم يسأل نفسه ولا الآخرين، عن المسؤول عن قيادة البوسطة إلى الفتنة، حتى بدا أنّ هذه البوسطة تسير في رعاية الله، وليس وراء مقودها مُحرّض أو موجّه يعرف الى أين تسير.هل يمكن، على سبيل المثال لا الحصر، تجاهُل الخطاب التحريضي الذي مارسه التيّار العوني عند فَبركة محاولة اغتيال عون في صيدا، ليتبيّن أن سيارة المرافقة التي قُدّمَت إلى التحقيق على أنها مُصابة بطلق ناريّ أمام جامع والد الرئيس الحريري في المدينة قد أصيبَت في طرابلس.
وليتبيّن، باعترافات مرافقي الجنرال، أن مسؤول أمنه طلب حصول التزوير على رغم معرفته بمكان الإصابة، فقط لإعطاء مصداقية للاغتيال، وليُقال للمسيحيين إن هناك في المدينة السلفية مَن حاولوا اغتيال زعيم مسيحي؟
هل يمكن تجاهُل أنّ عون أوعَز لوسائل إعلامه ليلة الميلاد بتَلقّف دعوة من رجل دين هامشي طرابلسي إلى عدم الاحتفال بالعيد، وعدم وضع الشجرة وتزيينها، فجرى تكبير الحدث إلى درجة نُسجَت حوله الأساطير والخرافات وسائر أنواع التخويف والتحريض، حيث استضاف تلفزيون الجنرال نوّاباً وإعلاميين للتنديد بالمسلمين لأنهم لا يحترمون أعياد المسيحيين.
ولم يكتفِ بذلك، بل فتّش عن بعض المشايخ الذين عملوا مع النظام السوري و"حزب الله"، وفتح لهم الهواء ليقدموا مطالعاتهم الشيّقة في أصول التحريض الطائفي، مُدّعين النطق باسم الإسلام والمسلمين، فكانت الفائدة العميمة والمزدوجة للضيف والمستضيف، التي تمثّلت برَفع منسوب التحريض الطائفي الى مرحلة لم يعد هناك بعدها حاجة الى حملات انتخابية.
فلقد أصبح التحريض هو السلاح الأقوى للفوز بالانتخابات، وما لسان حال العونيين بتوجيه الشكر الى الشيخ أحمد الاسير، سوى التعبير الصريح عن ماكينة عونية تعمل ليل نهار، من الجنرال حتى أسفل الأسفل، تحقيقاً لهذا الهدف الثمين.
ثم ألم يَكن الكلام الذي قاله العماد عون في المفاضلة بين السنّة والشيعة (الدبكة مع الشيعة في حارة حريك) في تصنيف يعتبر فيه زعيم مسيحي، أن الشيعة كطائفة أقرب الى المسيحيين، مشاركة في العادات الاجتماعية، وأنّ السنة أقرب الى زعيم "القاعدة" أسامة بن لادن على ما تقول الحالة العونية، التي ابتدعَت أساليب جديدة في قراءة العلاقة بين الطوائف، مرّة انطلاقاً من قدرة المسيحيين على أكل اللحم بحرية، ومرّة أخرى على إيقاع حلقات الدبكة في حارة حريك، التي لم تَعد الى اهلها ولم يَعد أهلها إليها.
إذا كان من الإنصاف القول إنّ العماد عون ليس الوحيد الذي يعزف على وتر المسيحيين لرفع منسوب الخوف لديهم من "الغريب"، فإنّ شركاء للجنرال في "14 آذار" متساوون في المسؤولية، لا بل يفوقونه إبداعاً، في التخويف من "الغريب". هؤلاء شاركوا في صنع "14 آذار"، لكنّ أهدافهم لم تكن أهدافها، ومشروعهم لم يكن مشروعها.
هؤلاء يردون على الجنرال الذي يفضّل الشيعة على السنّة (وفق التصنيف المسيحي البدائي)، بشَيطنة الشيعة، وهم ربما يغضّون النظر عن سلاح "حزب الله". أرقى تجلّياتهم الفكرية تركّز على مخاطبة الشارع، بعبارة: "مسلمينا أفضل من مسلميهم".
لكنهم في ساعات التخلّي، وما اكثرها، يرتدّون إلى الوراء قائلين: "كلهم مسلمون". هذا ما قام به عونيّو "14 آذار" في حادثة كفرذبيان، حيث رفعوا شعار: هذه كسروان، هذه أرض الموارنة، وسألوا عن التوقيت المشبوه لزيارة الأسير، كأنّ هذا الشيخ كان يفترض به أن يصعد الى كفرذبيان في تموز، ليتزحلق على الثلج.
لم تكن رقصة التانغو التي رقصها الأسير مع العماد عون وعونيّي "14 آذار"، لمصلحة هؤلاء. فالأسير حَوّلَ اللحية الطويلة من فزاعة إلى خطاب هادئ، فيما ظهر خصومه السلفيون المسيحيون بمظهر ينتمي إلى عصور بائدة، فبَدا أنّ سلفيّة تتقدم وأخرى تتقهقر، وعَلِقَ المسيحيون، الذين أشفق عليهم الأسير، بين سَلفيّتين.