القارئ ــ الذئب والصحيفة التي غيَّرت جِنسَها - جهاد الزين (النهار)
حدثٌ عالميٌّ كاملُ الكثافةِ في تاريخ الصحافة المكتوبة هو حدثُ صدورِ العدد الورقي الأخير من مجلة "نيوزويك" الأميركية في 31/12/2012. العالم ما بعد "نيوزويك الورقية"...
إنها المجلة التي تمثّل أحدَ طرَفَي الثنائية الرئيسية بين الأسبوعيات السياسية المطبوعة في الولايات المتحدة، ومن هذا الموقع هي أحد طرفيْ ثنائية في أعلى قمة الصحافة العالمية. فقد كانت توزّع نسخها على 190 بلداً.
عندما وجدتُ "العدد المطبوع الأخير"، كما سمّته "نيوزويك" على غلافها، بين مجموعة الصحف والمجلات التي لا أزال أحرص على متابعتها بصيغتها الورقية طالما أنني أعمل في صحيفة لا تزال ورقيّةً ولا بدّ من مواكبة ما يحدث فنيا وتحريرياً على صفحات مطبوعات عالمية وعربية بارزة... عندما وجدتُ "LAST PRINT ISSUE" على مكتبي في "النهار" قبل ظهر أحد أيام الأسبوع المنصرم شعرتُ بتهيّبٍ لم أشعر بمثله سابقا عندما قرأت عن توقّف النسخة الورقية لإحدى مجلات النخبة الأميركية وهي "الكريستيان ساينس مونيتور" (التي أدين لها بخبرات اكْتسبتُها من دورة تدريبية لبضعة أشهر أمْضَيْتها فيها بين بوسطن وواشنطن عام 1988) ولا عندما قرأتُ عن توقّف نسخة مجلة "فورين بوليسي" الورقيّة.
كان لخبرِ توقّف "نيوزويك" وقع خاص جدا. نظرتُ إلى عدد "نيوزويك" أمامي كمنْ ينتبه فجأةً إلى "وضع خطير" في الشأن العام، أو كما ينظر المرء إلى "ضريح".
ضريحٌ لعصر بكامله من أنماط التواصل والتأثير...
مع موت النسخة الورقية لـِ"نيوزويك" علينا الآن أن نصدّق أن الصحافة المطبوعة في خطر حقيقي. هذه واحدة من أحدث وأقوى مجلات العالم تغيّر جسدَها من المكتوب المطبوع إلى المكتوب "الافتراضي" مثلما فعلتْ صحف ومجلات أخرى في الولايات المتحدة والعالم… وحتى لو أن عددَها ما زال قليلاً حتى الآن إنما بدأت الموجة تمسّ صحفاً كبرى... أكبرها "نيوزويك".
لقد تغيّر العالم فعلاً ومهنتنا – الصحافة المكتوبة المطبوعة – أمام خطر بدأ يتحقق. لا أشك أن متحف "نيوزيوم" في واشنطن المعني بتاريخ الصحافة والإعلام المرئي (والذي يضم على أحد جدرانه إسْمَيْ سمير قصير وجبران تويني بين لائحة الصحافيين ضحايا الاغتيال) سيعرض هذا العدد الورقي الأخير من "نيوزويك".
نحن أيضا كصحافيين وقرّاء نتغيّر... ليس فقط في أدواتنا وطرقنا المهنية بل تتغيّر عاداتُنا في طريقة قراءة الصحف. أسأل، وأنا من جيل آخَر تعوّد الاستمتاع بقراءة صحيفته الصباحية المطبوعة، الاستمتاع بل الشغف بتلك العلاقة اللذيذة بين حاستي اللمس والنظر في تصفُّحِ الأسطر المطبوعة على الورق، أسأل: هل تتغيّر "حواسُنا" تدريجياً مثلما اكتشف بطلُ فيلم "ذئب" الذي أدى دورَه جاك نيكولسون أنه يتغيّر بيولوجياً من رجل إلى ذئب بعد عضّة تعرّض لها من ذئب فالت. تُغيِّرنا "عضّات" تكنولوجيا ثورة الاتصالات!
العدد الأخير من "نيوزويك" بسبب تاريخيّته كإعلان موت حقبة مهنيّة، أرادَتْهُ هيئة تحريرها نوعاً من توثيقٍ لتاريخِ المجلّة بما فيه الجانب الشخصي لمجلة كانت منخرطة في تنافس حاد مع "تايم" إلى حد، كما تروي لنا، أن بعض عائلات كبار المحرّرين كانت منقسمة في البيت الواحد: الزوج هنا والزوجة في المجلة المنافسة!
تَوَقّفُ "نيوزويك" الورقية هو "الحقيقة" الرهيبة التي بعدها يبدأ "نظام" جديد للصحافة المكتوبة. ليس ثابتا إلى الآن أن هذا هو المصير المحتوم للصحافة وإن كان التغيير صارخا وهو جزء من تغيير أشمل في علاقات البشرية نفسها.
الخبر الجيّد في كل هذا التحوّل، "الكئيب" كما هو كلُّ تخلٍ عن عادات عريقة، أنه خلافا لموجة هجوم التلفزيون، فإن الإنترنت لا يخرج عن ثقافة القراءة بل هو تطويرٌ لها، بينما ثقافة التلفزيون هي ثقافة سمعية بصرية وليست ثقافة قراءة وكتابة. أضف إلى ذلك أن تقليد الكتاب المطبوع لا يبدو مهدّدا بالقدر الذي تتهدّد فيه الصحافة الورقية. وازدهار الطبعة الإلكترونية للكتاب، هو بداهةً، جزء من ثقافة القراءة.
¶ ¶ ¶
حملتُ النسخة الأخيرة من "نيوزويك" كما يحمل المرءُ لوحة تشكيليّة ثمينة عثر عليها واشتريتُ لها إطاراً يليق بها ووضعتُها في صالون منزلي إلى جانب لوحة للفنانة التشكيلية ندى صحناوي هي واحدة من مجموعة لوحات قامت في كل واحدة منها بتلوين صفحة أولى من صفحات "الأوريان لوجور" باللون الأحمر ولكن بعد أن قصّتْ ما تريده من مادتها أي بعد أن أعادت "تحريرها"... وفقاً لرؤيتها للصحيفة كشاهد على الانتهاكات والمفارقات. وسبق للرسّامة الصينية نانسي تشان أن "شكّلت" الصفحات الأولى لـِ"النيويورك تايمز" في رؤية بصرية ومضمونية متعددة الألوان قدّمها الناقد الفني غاري إنديانا على أنها إعادة تشكيل للصحيفة باعتبارها "مساحة هشة جدا" في مقدمة الكتاب الكبير المصوّر الذي صدر عن "منشورات ريزولي الدولية" في أيطاليا عام 1997. وبينما راح "أحمر" ندى صحناوي "يكتب"زمن الاستبداد العربي في لبنان والمنطقة راحت نانسي تشان تعيد بتعدد الألوان "كتابة تاريخ نيويورك والولايات المتحدة". كلاهما "تكتب" الحاضر- التاريخ كما هو في كل صحيفة.
العمل "الحرفي" الذي هو أمامنا اليوم – النسخة الورقية الأخيرة من "نيوزويك" – لايدخل في مجال الفن التشكيلي بل في مجال "علم الآثار".فلم يعد التحوّل مقتصرا على تغيير وظائف الصحافة. نحن هنا أمام ما يكاد يصبح "تغيير جنس"؟