إلى المحتوى
حركة التجدد الديمقراطي
مختارات/

عقدة الفقر لدى النخب المصرية عقدة العنف لدى النخب السورية - جهاد الزين (النهار)

تحكَّمتْ بردود فعلي على أحداثِ عام 2012 ثنائيّةٌ لا زلتُ أبحث عن إسمٍ لها وهي مرشّحة للاستمرار في العام الجديد 2013. هذه الثنائية هي: كلّ خبرٍ جيّدٍ هو الذي يأتي من مصر حتى لو كان "سيّئاً"، وكلّ خبرٍ سيّئٍ هو الذي يأتي من سوريا حتى لو كان "جيّداً"!

قد يرى العديد من أصدقائي المصريين أنني بهذا التصنيف القاطع أقدّم الوضع المصري بل أرمي عليه صورةً سياسيةً ورديةً ليست هي كذلك. أعرف سلفاً ماذا يمكن أن يقدّموا من صورة سوداوية عن "أخْونة الدولة" والبلد مع إقرار الدستور الجديد بل قبل ذلك"الأخونة" في عمليات غير منظورة بالقدر الكافي داخل البيروقراطية وربما الجيش أيضا.كذلك عن الاقتصاد المتراجع بشكلٍ خَطِرٍ والوضع الطائفي القلق والمقلِق والضغط الاجتماعي المتزايد على الابداع الفني...
كل ذلك تُمكن معرفتُه... لكنْ هناك عنصرٌ جوهريٌّ يأتي مع كل خبرٍ من الشوارع المصرية ومن أنديتها السلطوية والسياسية هو السياق السلمي الراسخ للصراع، لكلِّ أشكال الصراع. حتى العنف الذي نشهده أحيانا في الشارع نستطيع إلى الآن أن نسمّيه بكل ثقةٍ "عنفاً سلمياً"... بهذا المعنى هو العنف الذي تُنتجه أوضاعٌ ديموقراطيّةٌ أو أوضاعٌ ذاهبةٌ نحو التبلور الديموقراطي. لذلك كلما اشتدّ الانقسام المصري كلما بدا الأمر مطَمْئناً إلى أن مشروعا تسلطيا بالمعنى القديم لم يعد ممكنا في مصر وأن "الإخوان المسلمين"، الحزب الشعبي الأكبر من أسوان إلى الاسكندرية، باتوا يدركون هذا الأمر رغم شكوكي كمراقِبٍب بأنهم ما زالوا لايدركونه جيداً... عبر علامتين قدّموهما خلال الممارسة مؤخرا: العلامة الأولى في"الإعلان الدستوري" ومادته الثانية الحمقاء فعلا التي كانت تمنع أية مراجعة أوطعن بقرارات رئيس الجمهورية والتي أُرغِموا على التراجع عنها مع إلغاء "الإعلان" تحت ضغطٍ فعّال قادتْه النخبة المصرية الليبرالية والعلمانية من مثقفين وفنانين وسياسين، والعلامة الثانية هي لجوؤهم إلى الاستفتاء لإقرار الدستور الجديد مع معرفتهم أو مع تنبيههم إلى أن الدستور يكون حصيلة توافق عميق بين كل مكوّنات المجتمع بما فيها الأقليات السياسية أو الدينية الوازنة وليس حصيلة اللعبة الانتخابية التقليدية التي هي نفسها أقلية عددية قياسا بعدد من لهم حق الاقتراع وليس بمن انتخَبوا فقط فكيف قياسا بكل عدد المواطنين؟ مع العلم أن كل الديموقراطيات الكبرى لم تجد بعد وسيلة أخرى للتناوب على السلطة غير الانتخابات إنما لم يتخطَّ أيٌّ منها هذه "الأقلاوية" في نسبة الفوز الأكثري الذي هو فوز غير أكثري إذا احتُسب كل المواطنين القادرين على الاقتراع ولم يقترعوا.
فهل نستطيع أن نستنتج معرفة "الإخوان" جوهريا الحاجة إلى التراجع عن الصيغة الحالية للدستور بعد دعوة الرئيس محمد مرسي إلى إعادة الحوار حول "المواد الخلافية" وأهمها قطعا المادة 219 التي تحوّل الشريعة الإسلامية عمليا إلى المصدر الوحيد للتشريع وليس المصدر الرئيسي في عملية تحايل على المادة الثانية من الدستور نفسه (وهي غير المادة الثانية من "الإعلان"). أي تؤكِّد، مداورةً، الدولة الدينية أم أن الأمر لا يعدو مناورة سياسية جديدة؟ على أي حال سنرى كيف ستتحوّل حماقاتٌ جديدة، من نوع ملاحقة زعماء الاعتراض محمد البرادعي وحمدين صباحي وعمرو موسى أمام القضاء، إلى انتصارات للديموقراطية.
كل هذه الأحداث كانت خبرا جيدا: أولاً لأنها تحوّلت بفعل الديموقراطية السلمية إلى خبر جيّد أو هي في طور التحوّل. وثانيا لأنها أكّدت أن خيار النخبة المصرية الدينية وغير الدينية بل كل المصريين، ورغم كل شيئ، هو خيارٌ سلميٌ عميق كأنما "الدستور" الوحيد المتفق عليه بين المصريين هو سلميّة الصراع... دعوني أقول: بل سلميّة العنف!
بهذا المعنى إذن لا خبر سيّئا من مصر اليوم وغدا...إلا الاحتمالات الاقتصاديّة لبلد التسعين مليوناً تقريبا. فمصر لا تُذلُّ إلا بالاقتصاد أي الاقتصاد المعيشي. مصر التي ننتظرها لدورٍ جامعٍ في المشرق ينقذنا من نتائج الصراع الطائفي الإيراني السعودي لا يمكن أن تستعيد هذا الدور وغيره من الأدوار بدون تَحرّرِ نخبتها الحاكمة من عقدة خطر الفقر والإفقار، بمعنى الخوف المستحكم لدى هذه النخب، ولاسيما في عهدي الرئيسين أنور السادات وحسني مبارك كما الآن مع النخبة "الإخوانية" الجديدة، من ازدياد تدهور الأوضاع المعيشية لقطاعات واسعة من الشعب المصري و انهيار أوضاع قطاعات أخرى في بلدٍ يتجاوز الذين يعيشون فيه تحت خط الفقر وعلى خط الفقر أكثر من النصف. لقد ارتبط في ذهن النخبتين الحاكمتين بعد عام 1970 أن أي تمرّد للسياسة المصرية على المكوّن الأقوى للنظام الدولي، وهو الغرب الأميركي والأوروبي، كما حصل في عهد الرئيس جمال عبد الناصر، سيؤدّي إلى إضعاف مصر اقتصادياً وربما تجويعها. ومن هذه النقطة بالذات انطلقت سياسة الانضباط الكامل للسياسة المصرية بالسياسة الغربية. ولا يخرج "الإخوان" عن هذه العقدة بل هم داخلها.
...وكلُّ خبر سيّئ هو الذي أتى من سوريا عام 2012، حتى الخبر "الجيّد" أو الذي يظنه البعض جيّدا هو خبرٌ سيّئ:
العنف العنف العنف العنف... ولن يفيد التكرار أن النظام السوري هو المسؤول لأن عسكرة الثورة كما كتبنا مراراً- وباكراً- تخطّت وحدانية هذا التشخيص وأصبحنا الآن في وضعٍ صعب بل في مأزق صعب لا فارق مضمونا فيه بين إسقاط النظام و بين تفتيت سوريا.
من المسؤول؟ هذا السؤال الآن أصبح أقل أهمية قياسا بسؤالٍ آخر مطروحٍ، ولا يمكن أن يُطرح إلا، من موقع المعارضة: ما العمل؟
خلافا لمصر الواعدة بل البادئة بقوةٍ من أصعب وأصحِّ نقطة في التحدي الديموقراطي في زمننا السياسي العربي الراهن هي الصراع العلماني الإسلامي، فإن سوريا بلغت أسوأ نقطة في مجرى ثورةٍ بدأت قطعا ضد الاستبداد ولكنها دخلت عام 2012 بصورة خاصة في المجهول. وأشد ما يثير القلق هو شبه غياب الحس النقدي للثورة نفسها في صفوف مثقّفيها الذين أصبحوا قادةً سياسيين لكن بدون مدافع وبنادق. أقول شبه غيابٍ وليس غياباً حتى لا نظلم أحدا.ويشعر المراقب أن ثمة خوفا في بعض أوساطهم من طرح الأسئلة الحقيقية المتعلّقة بالمستقبل. ومثلما حكمت الأنظمة السياسية المتعاقبة سوريا منذ عام 1958 تحت شعار "لا صوت يعلو فوق صوت المعركة" يبدو الشعار الأعلى في معظم المعارضات السورية لا سيما في الخارج هو: "لاصوت يعلو فوق صوت إسقاط النظام"...
ننتظر في العام 2013 أن يجيب هؤلاء المثقفون على السؤال التالي: لماذا فقد الثوار "الأصليون" السيطرة على ثورتهم؟

 

← العودة إلى مختارات