إلى المحتوى
حركة التجدد الديمقراطي
مختارات/

مصر تتقدم مسيرة الحراك الديموقراطي في المنطقة؟ - سام منسى (النهار)

لا يبالغ البعض إذ ينظر الى ما يجري في ميادين مصر وساحاتها على أنه بداية الاعلان رسميا عن تشكل المعارضة او المعارضات المصرية الجدية، منذ ما قبل ثورة الثالث والعشرين من يوليو عام 1952.


في معزل عن نقاش ما ستؤول اليه المواجهة الدائرة بين القوى المدنية والليبرالية عموما وتيار الاسلام السياسي في مصر، تحت عنوان الغاء الاعلان الدستوري ومفاعيله والغاء الاستفتاء على مشروع الدستور، ونتائجه، يبقى أن دروس "الديموقراطية" التي حاول احمد الزند رئيس نادي قضاة مصر أن يلقنها لمن "يهمه الامر"، من خلال الاعلان عن مقاطعة الاستفتاء على مشروع الدستور، هي من العلامات الفارقة التي لا بد من متابعتها لمعرفة المسار الذي قد يأخذه "ربيعنا العربي" من الآن فصاعدا.
قلّة توقعت الأداء الرديء للرئيس المصري كما التراجع السريع للتعاطف مع الأخوان المسلمين، رغم كل الضجيج وهالة القداسة التي حاول تيار "الاخوان" اضفاءها على مشروعه السياسي على امتداد تاريخه منذ تشكله كحركة سياسية في بدايات الربع الثاني من القرن الماضي.
إن ما يجري في مصر قد يوازي، ان لم يكن اكثر، اهمية ثورة الخامس والعشرين من يناير عام 2011، إذ أنه اعاد الاعتبار إلى دينامية الحراك الداخلي على ما عداه من عوامل اقليمية ودولية، والتي بدا واضحا انها تسعى الى اللحاق بالحدث أكثر من كونها قادرة على توجيهه.
وأول ما ينبغي الاشارة اليه جراء هذه الازمة، هو تبدد وهم "البعبع" الاسلاموي لاسيّما في بلد مثل مصر يعاني من أمية مرتفعة ومن مستوى فقر هو من بين الاعلى في المنطقة.
الارتباك السياسي الذي ميز أداء الاخوان المسلمين منذ اندلاع الازمة، اظهرهم على درجة كبيرة من "الطفولة" او "المراهقة" السياسية، على حد وصف المعارضة المدنية، ما قد يفقدهم القدرة على الاستمرار في الامساك بزمام المبادرة السياسية.
قدرة الاخوان السياسية وفاعالية تنظيمهم، لم تمنعا هذا التراجع، لا بل إنّ تسرّعهم السياسي في محاولة قطف ثمار "اللحظة" السياسية التي اعتبروها ملائمة لتعزيز قبضتهم، هو الذي ساهم في هذا التشكل السريع لما بات يعتبر، وعن حق، بالمعارضة السياسية التي تعبر عن هموم المواطن المصري العادي. لم يعد الامر يقتصر من الآن فصاعدا على المطالبة بالخبز والعلم والعمل، بل تعداه ليشمل التوق الى الحرية والديموقراطية السياسية التي لن يكون بالامكان الحصول على الخبز من دونها.
بعد اقل من عام على تسلم الاخوان السلطة في مصر، بدأ عجزهم عن تقديم رد سياسي واقتصادي ووطني على ازمات مصر العديدة يظهر شيئاً فشيئاً. شرائح واسعة من الشعب المصري ايقنت خطورة الدعوة الى أسلمة الدولة والمجتمع على نسيج مصر السياسي والاجتماعي الذي عرف نهضة على اكثر من صعيد منذ نهايات القرن التاسع عشر. "المسلمون" باتوا يشعرون انهم مختلفون عن "المتشددين" بثياب معتدلين، سواء في فرض اساليب الحياة من اللباس والطقوس الدينية والعادات او في فرض مفاهيم في العمل السياسي قد تطيح التراث المصري الموروث من تاريخ مصر الحديث، عبر محاولة قمع واسكات المؤسسات المدنية، من القضاء الى الاعلام.
لقد تمكن الشارع المصري المنتفض على الاخوان أن يسمح مجددا ببروز ما يسمى سياسة التعطيل: قدرة الأقلية على تعطيل قرارات الأكثرية العددية التي فازت في التصويت، ما يمنع الاستئثار، رغم أن العددية المحكي عنها سقطت هي الاخرى في ميادين وساحات الثورة مرة جديدة.
ولعل ما بدا انه هرولة غربية بعامة وأميركية بخاصة وراء الاخوان المسلمين والتخلي عن القوى المدنية والليبرالية والقومية والعلمانية كافة، يعاد النظر به جديا من قبل الكثير من تلك القوى التي اعتقدت أن نظام الاخوان في طريقه نحو "الاستيطان".
المراقب لردود الفعل الدولية لا بد ان يلاحظ هذا "الصمت" البليغ في معانيه عن محاولة الانحياز الى اي من الطرفين.
لقد اهتزت الرؤية والاحكام الغربية بعامة والأميركية بخاصة لحجم الاسلاميين ودورهم، سواء في مصر او في تونس او في المغرب او في الاردن او في سوريا او حتى في تركيا. والاخيرة قد تحتاج الى اكثر من قراءة مستقبلية لتحديد دور التيار الاسلامي الحاكم، فيما عراقة المجتمع التركي ودور المؤسسات المدنية ومؤسسة الجيش فيه، شكلت ولا تزال وسائد حماية من انزلاق تركيا مرة جديدة الى الدعوة لبناء دولة الخلافة.
إن مراقبة ما تتناقله وسائل الاعلام ومراكز الابحاث الاميركية من تعليقات وتحاليل، يلمس تبدل النبرة بالرغم من اصرار معلقين وباحثين كثر على خطر "القاعدة" والجهاديين على الربيع العربي. وبدأ التساؤل عن معنى تناقض الرؤية في موقف الادارة الاميركية ومواقفها السياسة مما يجري في بلدان الربيع العربي : رضى عن الأخوان في مصر وتردد وخوف منهم في سوريا والعراق ولبنان وفلسطين وغيرها.
اذا كان الهم الأميركي والغربي بعامة هو الخشية من السياسة الخارجية لتلك الدول،لا سيما الموقف من اسرائيل، فمن قال أن زلزال الاسلاموية لن يطيح مصالحها من المحيط الى الخليج واسرائيل على رأس القائمة؟ هذا فيما اغفال اهمية المسار الديموقراطي في تلك البلدان قد يكون اشد خطورة على مصالح الغرب في ظل انسداد افق اعادة بناء دول حداثية ومنفتحة على الغرب وبراغماتية، قادرة على اعادة اقامة علاقات تعاون مثمرة معه.
إن هذه السياسة أقل ما توصف بقصر النظر كونها تتجاهل رغبة الاخوان المسلمين بما يسمى سياسة "التمكين" Empowerment، بحيث يستطيع التنظيم بعد أن يمسك بمفاصل السلطة ويقضي على "الخصم" التفرغ لتصفية حساباته الخارجية، في ظل خطاب تخويني وإلهي تترد شعاراته في ساحات التأييد لـ"المرشد" في ساحة العباسيين في القاهرة وفي غزة وفي عمان، والتأييد للولي الفقيه في ساحات الضاحية الجنوبية من بيروت.
إن اعادة تصويب بوصلة الصراع في مصر من شأنه تسريع عودة الاستقرار الى "الاقليم" كله، وهو بالتأكيد لا يستوي عبر الانحياز الى اكثر شرائح القوى السياسية تخلفا، بالمعنى السياسي والحداثي، رغم الاقتناع بان الانحياز الغربي لهذه الشريحة، يحمل في طياته الكثير من ادبيات العلاقة الاستعمارية مع هذا "الشرق" وكيفية الحفاظ على سيرورته المتخلفة والموروثة.
واذا كان لا بد من الاحتفاظ باقتناع بحسن نية ما تجاه سياسات هذا الغرب، فمن الاهمية بمكان اقتناعه ايضا باهمية عودة الاستقرار الى مصر لتتقدم مسيرة الحراك الديموقراطي في المنطقة.

 

← العودة إلى مختارات