فلسطين والانتصار على الإيديولوجية الصهيونية - ربى كباره (المستقبل)
يشكل جلوس فلسطين على مقاعد الامم المتحدة، وان بصفة دولة غير عضو في جمعيتها العمومية، انتصارا لقضيتها على أسس الايديولوجية الصهيونية وعلى مجمل الطبقة السياسية الاسرائيلية، اضافة الى البعد القانوني والحقوقي الذي يحول ارضها من ارض متنازع عليها الى ارض محتلة ويفتح امامها ابواب سائر المنظمات التابعة للمنظمة الدولية بما فيها القضائية.
وما معارضة اسرائيل الشرسة لتحقيق هذه الخطوة سوى دليل على الخوف من أمر يضفي الشرعية على ما رفضه الاسرائيليون منذ اول مؤتمر نظمه تيودور هرتزل عام 1897. ومن مظاهر هذه المعارضة الضغوط الاميركية التي مورست على الرئيس محمود عباس وعلى العرب الذين لم يحضر أي من وزراء خارجيتهم جلسة التصويت، التي كان نجمها الى جانب ابو مازن وزير خارجية تركيا احمد داود اوغلو، وصولا الى العدوان الدموي الاخير على قطاع غزة. فنظرية المؤسس هذا ترتكز على بندين إلغائيين اساسيين: الاول ان فلسطين أرض من دون شعب وأن ليس هناك شعب اسمه شعب فلسطين، والثاني انها ارض الميعاد لليهود ولهم فيها حقوق توراتية.
كما يشكل انضمام فلسطين هذا انتصارا على كل الطبقة السياسية الاسرائيلية. فهذه الطبقة لم تتجاوب فعليا مع اتفاق اوسلو الذي تم ابرامه عام 1993 ومع قبول الفلسطينيين بالتنازل عن قسم كبير من الارض لمصلحة مشروع "الدولتين". فاليمين الحاكم حينها ممثلا باسحاق رابين وافق على مضض بسبب الضغوط الاميركية. أما الفلسطينيون فقد اسسوا لمشروع دولتهم منذ العام 1974 في برنامج النقاط العشر الذي اقر بناء سلطة وطنية على أي شبر يتم تحريره او تنسحب منه اسرائيل، ونص كذلك على مبدأ التخلي عن الكفاح المسلح باعتباره السبيل الوحيد لاستعادة الحقوق ومدخلا الى العامل السياسي والديبلوماسي. لذا ذهب الرئيس الراحل ياسر عرفات بعدها الى الامم المتحدة عارضا سلاما وقتالا من اجل فلسطين. اتى الردّ الاسرائيلي بمحاولة تدمير المقاومة الفلسطينية في لبنان لانها تجرأت على الحل السياسي فكانت مقولة ابو جهاد الشهيرة "اذا رفضنا نذبح واذا قبلنا التسوية نذبح مرتين لانهم لا يريدون الدولة". وبعد مقتل رابين دخل اتفاق اوسلو في نفق مظلم مع اليمين الاسرائيلي الحاكم من بنيامين نتانياهو الى ارييل شارون الى ايهود اولمرت ثم نتانياهو مجددا الذين اتبعوا جميعا مسارا الغائيا لاتفاقية اوسلو وسعوا الى إيجاد مخارج اخرى تحول دون قيام الدولة ومنها مخرج الحل عبر الاردن مثلا...
وأحيا هذا الانضمام حلّ "الدولتين" رغم محاولات الحكام الاسرائيليين تجنب هذا الحلّ الذي أدى الى قيام دولتهم. فقد رفض الفلسطينيون، ومعهم العرب، قرار التقسيم الذي صدر عام 1947 لتمسكهم بحقهم التاريخي بكامل ترابهم. هلّل الاسرائيليون حينها لهذا الرفض لانهم اعتبروا ان الامم المتحدة خذلتهم باعطاء الفلسطينيين 45 بالمئة من الارض.
كما يعني هذا الانضمام اعترافا بشرعية دولة فلسطينية على 22 بالمئة من الارض، أي وفق حدود العام 1967 وعاصمتها القدس الشرقية من دون التخلي عن المكتسبات التي وردت في القرارات الدولية السابقة خصوصا بشان حق العودة، بما يكرّس وجودا حقوقيا يناقض مجمل الفكر الصهيوني الذي يرى أن اضفاء الشرعية على دولة فلسطينية يساوي انتقاصا من شرعية دولة اسرائيل.
لذا فعلى الرغم من وضوح الامر في كلمة محمود عباس امام الجمعية العمومية، رفضت اسرائيل وردّت بقرار توسيع الاستيطان، ما استدعى انتقادات اوروبية وعربية. ويلفت خبير في الشؤون الفلسطينية الى ان المستوطنين سجلوا نقاطا خطيرة على الارض خلال هذه العقود: فعند انعقاد اتفاقية اوسلو كان عدد المستوطنات 119 مستوطنة تضم 100 الف نسمة وارتفع الى 144 مستوطنة تضم 500 الف نسمة عملوا على مصادرة الاراضي الزراعية وبناء مناطق صناعية. ويخشى هذا الخبير أن يؤدي هذا الواقع، وقبل تحقق قرار توسيع الاستيطان الاخير، الى ان يصبح بناء الدولة في الضفة والقطاع امرا شبه مستحيل.
وقد الغت موافقة الامم المتحدة كل المحاولات الاسرائيلية لان التكريس الحقوقي للدولة مهم وان كان لدولة رمزية. وقد اتى النجاح نتيجة مسار تراكمي طويل برغم كل الضعف الفلسطيني والجبروت الاسرائيلي والتخاذل الاميركي والاوروبي، كما حمل هذا النجاح بوادر مصالحة فلسطينية هي أول اسس الاستفادة الفعلية من الخطوة التي تحققت خصوصا وان السفير الاسرائيلي ركز في جلسة التصويت على الانقسام الفلسطيني للقول بان السلطة لا تستحق دولة.
وبهذا المعنى وردًا على من يقول انها مجرد خطوة ذات قيمة رمزية فقط، فإن القبول الدولي بها ينقض الايديولوجية الصهوينية من اساسها ويؤكد الانتصار على الطبقة السياسية. كما انه يفتح باب مجلس الامن الدولي الذي رفض قبل اكثر من عام انضمام فلسطين بسبب الفيتو الاميركي، ويسمح بالمثول أمام المحكمة الجنائية الدولية لمقاضاة اسرائيل بجرائم حرب وهو اكثر ما تخشاه الدولة العبرية، اذ ان الضغوط الاميركية على ابو مازن، وبعد فشلها في ثنيه عن خطوته، حاولت عبثا اقناعه بالتعهد عكس ذلك وفق مصدر فلسطيني مطلع.