إلى المحتوى
حركة التجدد الديمقراطي
مختارات/

نحو «اتفاق قاهرة» لبناني - فواز طرابلسي (السفير)

يُقال لنا ان لبنان بلد سياسي بامتياز. إذا صح ذلك، وإذا استمرت التطورات التي نشهدها على مدى العام المنصرم سائرة بالاتجاه ذاته، فمن الواجب دق ناقوس الخطر.
بات لمصطلح «سياسي بامتياز» معنى يكاد يكون وحيداً هو الصراع على الغلبة، أو رد الغلبة، بين قوى وأحزاب سياسية تمثل أو تدعي تمثيل مذاهب دينية مكرّسة بما هي كائنات سياسية. وعندما تصير لغة السياسة هي لغة الغلبة، يصير العنف المسلح قاب قوسين أو أدنى، خصوصاً إذا كنا امام انهيار شبه كامل لصيغة التمثيل السياسي المؤسساتي لتلك المذاهب والطوائف ذاتها، كما يتجلى في السجالات الدائرة حول قانون الانتخاب.
حقيقة الأمر أن الأوضاع الراهنة باتت تشبه إلى حد كبير تلك التي سادت في السنوات السابقة على الحرب الأهلية 1975 ـ 1989. طرف لبناني يحتج على وجود السلاح الفلسطيني، وعلى العمليات العسكرية للتنظيمات الفدائية عبر الحدود. والتنظيمات الفدائية وأنصارها اللبنانيون، يبرّرون وجود السلاح وانتشاره بأولويات المقاومة المسلحة ضد إسرائيل. يرى معارضو الوجود الفلسطيني المسلح إليه بما هو خرق للسيادة الوطنية، وانتهاك لسياسة «قوة لبنان في ضعفه» وإخلال في موازين القوى الطوائفية. هذا قبل أن تسود فكرة توطين الفلسطينيين في لبنان. ويرى الأنصار واجباً مقدساً ضد العدو الوجودي من دون أن يخفوا الاستقواء بالقوة الفلسطينية للتحرّر من امتيازات متراكمة للطرف الآخر.
وكان توقيع «اتفاق القاهرة» برعاية الرئيس عبد الناصر، بين قائد الجيش اللبناني ورئيس منظمة التحرير الفلسطينية العام 1969، وتصديق مجلس النواب اللبناني عليه، محاولة في تنظيم حمل السلاح الفلسطيني وتعيين أصول خزنه ونقله وطرق مواصلاته بحيث يتمأسس الحق في المقاومة من دون أن يتحوّل إلى فوضى سلاح وإلى احتكاكات مسلحة بين معارضي السلاح وأنصاره.
حالت عوامل عديدة دون النجاح في التمييز بين السلاح المقاوم والسلاح السياسي والمحلي (الأهلي) لمنظمة التحرير الفلسطينية فتسلل الفشل تدريجاً إلى تطبيق الاتفاق المذكور. باشر معارضو الوجود الفلسطيني إلى التسلح والتدريب وتكوين الميليشيات. ورد الطرف اللبناني المناصر للمقاومة الفلسطينية بالمثل، خصوصاً بعد تصاعد الاشتباكات بين الجيش اللبناني والتنظيمات الفلسطينية المسلحة، في المخيمات وخارجها.
ليس من حاجة لأن نفصّل في أوجه الشبه بين السجال الدائر حول سلاح «حزب الله» وبين هذه السابقة في تاريخ لبنان المعاصر، أقله من حيث نشوء السلاح الأهلي المقابل للسلاح المقاوم وخصوصاً انتسابه إلى هوية مذهبية مختلفة. وليس من حاجة أيضاً للتبسّط في مدى مساهمة ثنائية السلاح هذه في توفير الشروط الضرورية، لا الكافية، لاندلاع الاقتتال الأهلي. يكفي التذكير بأمثولة المؤمن الذي يستمرئ اللدغ من جحر مرة ومرتين وثلاثا وأربع مرات وأكثر.
لكن ثمة حاجة لاستعادة الجديد والداهم في معادلات النزاع على السلاح، وبواسطة السلاح، في أوجهه الثلاثة على الأقل:
÷ نشوء ما يسمى «التسلح الشمالي» في وجه «التسلح الجنوبي» بذرائع أو أسباب تتعلق بحوادث أيار 2008.
÷ تكاثر مناطق الاحتكاك المسلح بين الطرفين وآخرها صيدا. وصيدا جرس إنذار يجب أن يرن مدوياً في الذاكرة، إذا كانت الذاكرة غير مفقودة.
÷ التدخل المسلح للمعسكرين السياسيين في النزاع الدموي السوري عبر الحدود.
السؤال الذي يستحق الإثارة هنا هو: هل لا يزال بالإمكان التمييز بين الأمن و«السياسة» كما عرّفناها أعلاه وكما هي معرّفة في السائد لبنانياً؟ بإيجاز، هل بالإمكان توليد «اتفاق قاهرة» جديد، لبناني هذه المرة؟ أي الخروج من مشاريع الحوارات الوطنية ورسم الاستراتيجيات الدفاعية التكاذبية والتأجيلية، من أجل إنتاج تسوية أمنية قوامها نقطتان لا ثالثة لهما:
أولاً ـ التعاقد على وظائف السلاح. وهذا يعني التمييز بين سلاح «حزب الله» المكرّس للدفاع الوطني، وبين سلاح «حزب الله» الموظف في السياسة؟ فهل يستطيع «حزب الله» ذاته المبادرة إلى تقديم مثل هذا التمييز؟ وفي المقابل، هل يستطيع خصوم سلاح «حزب الله» أن يعترفوا بوجود جهاز قتالي وترسانة سلاح بتصرف «حزب الله» تستمد شرعيتها من كونها أسهمت في تحرير جزء من الأرض اللبنانية وبسبب ذلك باتت تشكّل جزءاً من قدرات الدفاع الوطني للبنان ضد إسرائيل؟ بشرط أن يقترن هذا الاعتراف بإيجاد آلية لوضع القدرات القتالية اللبنانية في الجيش و«حزب الله» تحت هيئة واحدة؟ وهل يمكن تقديم هذا الاعتراف كي يتحوّل التمييز أصلاً إلى تسوية؟ والمقصود بالتسوية يعني إما نزع كل سلاح لا ينطبق على هذه المواصفات، وإما تجريمه سلفاً.
ثانياً ـ التعاقد على وقف التدخل العسكري للحلفين الآذاريين في النزاع الدموي السوري بأشكاله المختلفة؟ وهذا يشمل القتال على الأراضي السورية، وتهريب السلاح بأشكاله المختلفة، ووسطاءه اللبنانيين المختلفين.
الأمر المؤكّد أن تصاعد التوتر المسلح الداخلي بات يتغذى الآن من التورّط المتزايد عبر الحدود. ولم يعد بالإمكان معالجة هذا من دون ذاك. من نافل القول ان اللبنانيين منقسمون تجاه مجريات الأحداث في سوريا. وهو أمر يجري التعبير عنه بكافة الأشكال والوسائل والنبرات الممكنة. لكن من نافل القول أيضاً ضرورة ضمان حق التعبير والفعل هذا للجميع على تلاوينهم وأطيافهم المختلفة حول هذا الموضوع، إلا بالسلاح.
قد يسأل سائل: ما حظ هذا الاتفاق من أن يُصاغ أصلاً وأن يُوقّع وأن يُنفّذ، ما دام سلفه لم يحالفه النجاح؟
والجواب أن وظيفة الكتابة ليست ضمان التطبيق بقدر ما هي تخيّل حلول أو تقديم اقتراحات خارجة عن السائد لتفتيح الآفاق لا غلقها.



 

← العودة إلى مختارات