إلى المحتوى
حركة التجدد الديمقراطي
مختارات/

خطاب نصر الله: هجوم للدفاع - هيام القصيفي (الاخبار)

هاجس الامن وحده يطغى بين خطاب الامين العام لحزب الله السيد حسن نصر الله للدفاع عن الحكومة، ومحاولة المعارضة التصويب عليها، فيما تبقى المؤسسة العسكرية بلا غطاء حكومي جدّي

هيام القصيفي
دفع اعلان «الائتلاف الوطني السوري لقوى الثورة والمعارضة» الأزمة السورية في اتجاه مختلف عن المسار الذي كانت تنتهجه خلال الاشهر الماضية. وبدا ان الصورة الموحدة التي كانت مطلوبة من المعارضة، اقليمياً ودولياً، اكملت المشهد لفتح باب المواجهات السياسية والعسكرية في شكل أكثر حدة وخطورة.
وفي لبنان جاء كلام الامين العام لحزب الله السيد حسن نصر الله، في اعقاب اعلان الائتلاف، وكأنه يشير الى هجوم مضاد يعلنه الحزب، على اكثر من جبهة، في محاولة لتطويق اي تداعيات لاعلان هذا الائتلاف على الساحة اللبنانية. لكن اوساطاً سياسية مطلعة رأت في خطاب نصر الله، رغم نبرته العالية وحدّته، «هجوما للدفاع» وليس هجوماً للهجوم. فنصر الله، في رأي هذه الاوساط، تولى تعزيز خطوط الدفاع عن الحكومة وعن الاكثرية، في لحظة اقليمية حرجة يبدو معها توحّد المعارضة السورية خطوة على طريق متغيرات خطيرة في تعامل المجتمع الدولي والعربي مع الازمة السورية، واستطراداً مع لبنان. لذلك، بات من الضروري مدّ الحكومة بجرعة دعم، وتحويلها خط دفاع رئيسياً، مقابل التحرك الذي بدأ يأخذ طابعاً أمنيا خطراً في بعض المناطق، ومحاولته راهناً عدم الدخول في مواجهات مع اي طرف قبل استجلاء صورة الوضع السوري في صورته النهائية.
فالاحداث الامنية التي حطت في الايام الاخيرة في صيدا، بما تشكله من نقطة تتقاطع فيها اتجاهات واختلافات مذهبية، والتوتر الدائم في طرابلس وعكار، والغموض الذي يلف الاوضاع والتحركات في عدد من البلدات الواقعة في اقاصي البقاع عند الحدود السورية، من شأنها ان تزيد يوما بعد آخر بؤر التفجير الممكنة في لبنان.
وأمام الجدل الكبير حول وضع الحكومة التي استنفدت كل السبل التي يمكن استخدامها لتطبيق ما سمته سياسة النأي بالنفس التي اعتمدتها، يكمن الخوف في إمكان تفجّر هذه البؤر وخطورة الاحداث المتحركة وتطور انعكاسها على لبنان نحو المواجهة، ما يؤدي تلقائياً الى نقل دفة الكلام عن الحكومة والتصويب عليها إلى الكلام عن الجيش والتصويب عليه.
لذا فان امام الجيش، ازاء تطور الاحداث الاخيرة، استحقاقاً كبيراً يتعلق بقدرته على الاستمرار في ضبط الامن المتفلت يوما بعد يوم، على ايقاع التطور السوري، ولا سيما بعدما اعاد اطراف محليون توجيه تحركهم نحو الداخل اللبناني بدل سوريا اثر اغتيال اللواء وسام الحسن. وتحديه الآخر يكمن في كيفية ادارته عملية المواجهة المتنقلة، من طرابلس الى بيروت وصيدا، حيث تبدو في بعض الاحيان وكأنها مواجهة مع طرف دون آخر. وقد يكون هذا الامر عاملاً مساهماً يزيد من احتمالات استهداف الجيش، كما حصل في حوادث ومراحل سابقة. كما أن علاقته بحزب الله، التي حمتها الحكومات السابقة تحت خلال شعار «الجيش والشعب والمقاومة»، والتي طُرحت حولها أسئلة محقة او غير محقة بعضها قيل في مراحل سابقة مباشرة لقيادة الجيش عبر قنوات ديبلوماسية، قد تضيف اثقالا اضافية عليه، خصوصا ان الحكومة الحالية لا تبدو واضحة وشفافة في تعاطيها مع المؤسسة العسكرية، بعكس ما كان يتوقع منها. ورغم ان مجلس الوزراء أقر للمؤسسة العسكرية خطة مالية بمليار و600 مليون دولار، وهي خطوة نوعية تحظى باهتمام سفراء الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا والمانيا والامم المتحدة في لبنان ومتابعتهم الدقيقة، لكنها خطة طويلة الامد، فيما تتركه الحكومة اليوم يسير وحيدا بين الالغام المتفجرة، من دون اي مظلة سياسية تحميه، وتعجز عن ان تكون حكومة فاعلة تتحمل الاعباء عنه. وهذا ما من شأنه ان يضاعف المخاطر المحدقة بالوضع الداخلي، لأن تطور أي حدث امني في مثل هذه الظروف قد يضع الجيش على محك خطير يضطر معه الى المواجهة بمفرده.
وبقدر الاستحقاق الذي يواجهه الجيش لمنع التفرد به واستدراجه، فإن حزب الله ايضا امام اسئلة متشابكة، حول كيفية مقاربة المرحلة الجديدة، بعدما كرس امينه العام خطابه الاخير للدفاع عن الحكومة كحالة دفاع عن النفس. في وقت يعطي فيه النائب وليد جنبلاط اشارات قبول بتغييرها والحديث عن صيغة جديدة تكون فيها التوازنات اكثر دقة، وتعكس اكثر الواقع اللبناني لتتمكن من حصر الارتدادات السورية في شكل متكامل. وهو موقف قد يكون منسقا مع رئيس الجمهورية ويحظى بموافقة رئيس الوزراء نجيب ميقاتي، الذي تدور اسئلة حول امكان استمراره ضابط ايقاع لانعاش الحكومة، ولا سيما ان الضغط المحلي (السني تحديدا) والدولي قد يتصاعد في وجهه، وهناك خشية من ألا يتمكن من مواجهته، فيضطر الى الرضوخ. مع العلم انه سبق ان لوّح باستقالته خلال خوض معركة تمويل المحكمة الدولية ما اضطر نصر الله الى التوجه اليه معاتبا «لانه اوصل الامور الى نقطة غير مناسبة عندما اعلن نيته الاستقالة».
لكن حزب الله، في المقابل، وجد نفسه، بعد التطور الذي استجد على خط الازمة السورية وانفجار الوضع الامني الداخلي في بعض المناطق الحساسة، مضطرا الى شن هجوم دفاعي عن الحكومة لتأمين مقومات استمرارها، لأن الحكومة التي حاولت انعاش نفسها بالتعيينات والمناقلات الديبلوماسية، بقيت عاجزة عن تأمين غطاء سياسي يظلل بقاءها. ولأن اي حالة اخرى تحتم عليه اعادة النظر في كل تعاطيه في الوضع الداخلي والذهاب بنفسه الى المواجهة.

 

← العودة إلى مختارات