نحو عقد إجتماعي عربي جديد - سعود المولى (الجمهورية)
اليوم تولد الشعوب العربية من جديد بعد عقود من الموت السريري على يد أنظمة سياسية استبدادية وقهرية، جاءت إلى الحكم باسم فلسطين والتحرر والوحدة العربية فلم تورثنا بعد أكثر من نصف قرن سوى احتقار حرية الإنسان وكرامته لا بل وحياته البائسة. ها هي الشعوب العربية تتقدم على طريق امتلاك مصيرها بنفسها أي استعادة حقوقها و إنسانيتها المنتهكة، وحريتها وكرامتها المغتصبة.
هذه الثورات العربية الجديدة أعادت وتعيد تشكيل الشعوب العربية التي أضناها القمع والاستبداد السلطوي-المافيوي والانقسام الطائفي- العشائري والتنازع الحزبي والفئوي... هذه الثورات العربية الجديدة تعيد تشكيل العالم العربي ونظامه الإقليمي المنهار منذ حرب الخليج وسقوط الاتحاد السوفياتي 1990-1991...إن المطلوب اليوم هو التفكير الاستراتيجي في ما يواجهه العالم العربي على طريق استكمال سيادته وحريته ووحدته وازدهاره واستعادة موقع لبنان ودوره في العالم العربي اليوم...
1- يتمزق العرب داخلياً بين فئات تعيش هواجس الماضي وآلامه وترفض عودته، وبين فئات اخرى تعيش قلق المستقبل وأخطاره وتريد إعادة الماضي... وعلى المستوى الإقليمي يتمزق العرب بين احتلال أميركي ودولي يهدّد الأمن القومي للمنطقة وبلدانها واستقرارها وازدهارها، وبين صراع عربي-عربي، وعربي-ايراني، يلقي بظلاله القاسية والمدمّرة على أمن العرب ووحدتهم كما على أمن المنطقة واستقرارها وازدهارها... والى هذه الهواجس المشروعة هناك هاجس الصعود الشيعي الذي يقلق دول المنطقة حيث للشيعة وزن وإن لم يكن لهم دور في الحكم والسلطة (السعودية، الكويت، البحرين، الامارات، واليمن مؤخراً)، وهاجس الصعود الكردي أيضاً والذي يقلق دول المنطقة حيث للأكراد وزن ولا دور (تركيا، سوريا، إيران)... إلا أن كل هذه الهواجس والأخطار ليست ولا يجوز أن تكون من النوع الذي يهدد استقرار وأمن وأمان المنطقة العربية-الاسلامية وإنما ينبغي أن تكون من نوع التحديات التي يتوجب أن نعمل جميعاً وكل من موقعه على وضعها في سياقاتها الفعلية وطرحها ضمن أطرها وإيجاد حلول لها تكون واقعية وعملية ولمصلحة العرب ودول الجوار أولاً ناهيك عن مصالح المجتمع الدولي والسلم العالمي تالياً...
2- إن العملية السياسية الجارية في العالم العربي الجديد تقوم على ثوابت ينبغي ترسيخها وتعميقها وتعميمها:
أ- بناء الدولة الوطنية الحديثة السيدة الحرة المستقلة، وإنجاز وحدة وطنية حقيقية وسلم أهلي راسخ بين كل مكونات الشعب وتعزيز الإجماع الوطني على أساس حفظ السيادة الوطنية، والشفافية في التعامل مع قضايا الوطن.
ب- تطوير المشاركة الشعبية في الانتخابات وحلّ إشكالية الديمقراطية واللامركزية وشكل الحكم الصالح من خلال فكر سياسي استراتيجي وطني يضع مصلحة الوطن والشعب فوق كل إعتبار.
وفي هذا المجال ينبغي الاستفادة من تجارب الشعوب ومن دراسات متخصصة وعدم الوقوع ضحية الارهاب الايديولوجي الذي يمنع الحوار ويقمع الابداع وإنما إطلاق طاقات الخير الكامنة في الشعب من أجل إيجاد الحلول الصحيحة والمناسبة لقضايا الحكم والإدارة في الوضع العربي الجديد، مع الانتباه الى ضرورة تعزيز مكتسبات المرأة والأقليات القومية والدينية وحمايتها وتقوية دورها في الإدارة والحكم.
إن الصيغة الأنسب لحكم وإدارة أي بلد لن تكون صيغة مكررة من الدولة المركزية الاستبدادية ولا ديكتاتورية الفرد أو الحزب ولا غلبة طائفة أو فئة، إنها صيغة جديدة مركبة تحتاج الى أعمال الفكر والدراسات وتغليب مصلحة الناس أولاً وأخيراً... فلا مقدّس في السياسة والاجتماع سوى الإنسان: حياته، حريته، كرامته وحقوقه...
ج- تحييد وشلّ الصراعات الخارجية وضرب معادلة الغلبة والاستقواء التي أضعفت العرب كما أضعفت وأضَرّت بلبنان على سبيل المثال، واستشراف مستقبل العرب في محيطهم من خلال صياغة خلاقة لدورهم في المنطقة وعلاقاتهم بدول الجوار والأخذ بالمثال التركي في هذا المجال.
إنّ الحرص على العلاقات الاخوية والمميزة مع الجيران وفي طليعتهم الأشقاء كما الأخوة في الإسلام (تركيا-إيران) يتطلب أن يتمّ توضيح جملة حقائق أولها أن بلاد العرب لم تعد "درعاً ضد إيران"، بل يتوجب أن تكون "نافذة العالم على إيران"... وبلاد العرب لم تعد مسرحاً لتضارب السياسات الدولية وإنما يتوجب أن تكون ملتقى الأمم لصياغة دور حضاري يليق بهم في عالم اليوم...
د- إن المطلوب اليوم هو الدعوة الى صياغة شراكة إقليمية استراتيجية حقيقية بين دول الجوار تشمل الأمن والاقتصاد والسياحة والزراعة والصناعة والخدمات وتضمن دوراً محدداً لكل دولة وحدوداً منطقية معقولة ومقبولة ومتعاهداً عليها لكل دور، دون افتئات ولا طغيان، وعلى أسس الحوار الدائم، وحلّ النزاعات بالوسائل السلمية، والتحكيم في النزاعات، والاحترام المتبادل لمصالح الجميع، والتعاون والتضامن على البر والتقوى ورد الإثم والعدوان، وحسن الجوار، وعدم الاعتداء، وعدم التدخل... وبإمكان لبنان أن يلعب دور المحرّض والمحفّز لإقامة شرق أوسط جديد فعلاً هو شرق أوسط الشعوب والدول العربية-الاسلامية المتعايشة لا المتحاربة، المتعاونة لا المتضاربة... شرق أوسط تتحقق فيه وبواسطة شعوبه ودوله الحرية والكرامة والعدالة والمساواة والديمقراطية والتنمية والاستقرار والإزدهار لكل العرب والمسلمين...
وإن لبنان بموقعه وبتاريخه وبما يحمل من إمكانات يستطيع أن يلعب هذا الدور عبر سياسة واضحة جريئة شفافة تحمل دائماً همّ العدالة، والعدالة أولاً: قبل كل شيء وفوق كل شيء..