رسائل جنبلاط بعد اغتيال الحسن: لا تَخافوا... ولا تُخَوِّفوني! - طوني عيسى (الجمهورية)
النائب وليد جنبلاط يراجِع... فيتراجَع. لقد اكتشف أن الأيام لا تمرّ سريعاً، وأن الظروف لم تنضج لـ«تصحيح التموضع». فسارع إلى طمأنة الذين يعنيهم الأمر: ما زلتُ هنا في الوسطيّة. لن أذهب بعيداً... فلا تذهبوا بعيداً!
في آب الفائت، بعد توقيف الوزير السابق ميشال سماحة، قام اللواء الشهيد وسام الحسن مع المدير العام لقوى الأمن الداخلي اللواء أشرف ريفي، بزيارة بيت الدين حيث أطلعا رئيس الجمهورية ميشال سليمان على المعلومات التي يملكها فرع المعلومات. وكان لافتاً أنهما انتقلا بعد ذلك إلى المختارة. فجنبلاط هو القيادي الوحيد الذي حظي بزيارتهما. وقوبلت الزيارة بانتقادات من قوى 8 آذار.وتردّد أن اللواء الحسن حذّر جنبلاط من مخاطر أمنية تحيط به، ودعاه إلى التزام الحيطة. ولذلك، يلازم رئيس التقدمي دارته في المختارة في شكل شبه تام. وهو لم يغادرها في الفترة الأخيرة إلّا لعيادة والدته السيدة مي شكيب إرسلان، التي دخلت مستشفى الجامعة الأميركية على أثر وعكة صحيّة ألمَّت بها. وهو أيضاً نصح نجله تيمور بالانتقال إلى باريس منذ فترة.
بعد اغتيال الحسن، التقط جنبلاط ببوصلته المعروفة اتجاه المرحلة. وأدرك أن المخاطرة اليوم بإعادة التموضع قد يكون ثمنها غالياً. وأساساً كان رئيس التقدمي قد انتقل إلى هذه الغالبية قبل عامين تحت التهديد. وعلى رغم موقفه العنيف ضد النظام في سوريا، فإن جنبلاط بقي يحمي رأسه من خلال التزامه البقاء في الحكومة، وعدم انخراطه مع فريق 14 آذار في الحملة على السلاح.
حتى اليوم، بدا جنبلاط مرتاحاً في الاختباء خلف وسطيّة رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة نجيب ميقاتي... انتظاراً للظروف التي تتيح له "تصحيح التموضع". وجاء اغتيال اللواء الحسن ليثبت له أن لا غطاء لأحد، وأن التغيير في قواعد اللعبة ما زال غير آمن، وأن البقاء في الوسطية هو الأضمن، وأن الثمن الذي يمكن أن يدفعه مقابل أي مغامرة ليس من النوع العادي.
بالنسبة إلى فريق 8 آذار، إن سقوط هذه الغالبية وحكومتها يعني الهزيمة، أي إن اللعبة هنا هي لعبة حياة أو موت. ولا يمكن هذا الفريق أن يتحمَّل سقوط الغالبية أيّاً كانت الدوافع، وهو يتوقع من جنبلاط أن يحافظ على موقعه المتوازن داخل الغالبية، كما الرئيس سليمان ورئيس الحكومة نجيب ميقاتي. ومن هنا أيضاً، يستحيل على ميقاتي الاستقالة إلّا بإرادة القوى التي جاءت به إلى السراي. واغتيال الحسن هو رسالة تعني كثيرين.
الدوران بين تناقضَيْن
لذلك، تعمَّد جنبلاط عبر "المؤسسة اللبنانية للإرسال" أن يثير إشكالاً مع الرئيس سعد الحريري، وأن يبرهن للمعنيين أن لا اتفاقات تحت الطاولة معه في اجتماع باريس الأخير، وأنه ملتزم الصف الوسطي. فالمشكلة مع الحريري، ولو إعلامياً، تريح القوى المعنية في 8 آذار وتطمئنها إلى أن مسيرة التقارب بينه وبين فريق 14 آذار قد توقفت. وفي ذلك، أراد جنبلاط أن يوجِّه رسالة واضحة إلى البعض: لا تخافوا... ولا تُخوِّفوني!
في ذلك، يربح جنبلاط سلامته الشخصية، ولا يخسر شيئاً في المقابل، في المفهوم البراغماتي. فالواضح أن نهاية الأزمة في سوريا ليست قريبة، وأن "الستاتيكو" في لبنان لن يتغيَّر قبلها. وأما الانتخابات النيابية، التي قد تفرض على جنبلاط أن يُنوِّع تحالفاته بين 8 آذار و14 آذار، فهي مجهولة المصير. وإلى أن تظهر ملامحها، ستكون أمور كثيرة قد تبلورت أو تغيَّرت في لبنان وسوريا.
في عبارة أخرى، ما زال جنبلاط في الإقامة الجبرية داخل سجن الغالبية، ولو كان أركان حزبه يتعمّدون إنكار التأثير الأمني على تموضعه السياسي. وفي المدى المنظور، هو لن يغامر. لقد عاد عملياً إلى البدايات، إلى خريف 2010... إلّا في الانفتاح على نظام الرئيس بشّار الأسد.
وسيكون جنبلاط أمام تحدّي العيش مع المرحلة ضمن المعادلة الصعبة الآتية: عداوة شرسة ومكشوفة مع النظام، مقابل مرونة ومراعاة مفتوحة لحلفاء هذا النظام الأقوياء في لبنان.
إنها معادلة تثير الدوار حتى لمحترفي الدوران، كالنائب جنبلاط. فكيف سيعالجها؟ هل بالعودة أيضاً إلى كامل الوضعية التي فُرِضت عليه قبل عامين؟ وهل هو قادر على القيام بها، أم يترك الأمور مفتوحة للعبة الخيارات الحزبية، والتي بدأت تظهر ملامحها في الاجتماع الذي عقدته جمعية المرشدين في الحزب الاشتراكي، منتصف هذا الشهر، والتي تكرِّس نمطاً جديداً من هرمية القرار في الحزب؟
مع جنبلاط، غالباً ما يكون هناك مجال للمفاجآت. ومسيرة السنوات الأخيرة تثبت ذلك. والمحور الحقيقي الذي ينتمي إليه جنبلاط هو محور جنبلاط نفسه... ولا أحد سواه!