إلى المحتوى
حركة التجدد الديمقراطي
مختارات/

سوريا العيد بلا هدنة - فواز طرابلسي (السفير)

لم تكذّب مبادرة الاخضر الابراهيمي توقعات الذين حسموا بأنها لن تنجح في عقد هدنة خلال ايام عيد الاضحى. اطلق عليها النظام السوري رصاصة الرحمة عندما رفض الرئيس الاسد البحث اصلا في الموضوع خلال لقائه المبعوث الاممي والعربي. ولم تجرؤ قيادة المعارضة المسلّحة على الاقدام على مغامرة الاعلان عن التزامها بالهدنة من طرف واحد ولو لاحراج النظام او منح الشعب السوري بصيص امل ولو لبضعة ايام.
هل يجب التسليم بكل بساطة بأن البلد الذي لم يعرف يوم هدنة واحدا في نزاعه الدموي خلال سنة وثمانية اشهر لن يعرف الهدنة لايام معدودة لمناسبة عيد الاضحى؟ اي هل يجب التسليم من دون استهوال بأن هذا الشعب محكوم بتقديم المئات من الاضاحي البشرية مجددا خلال ايام العيد؟
عندما كان على النظام السوري التعاطي مع وسطاء يقترحون بدء مسيرة الحل السلمي، كان يشدد على وقف اطلاق النار اولا. هذه المرة تجنّب المبعوث الاممي والعربي اثارة موضوع وقف اطلاق النار، الذي يأتي في رأس قرارات المؤتمرات والهيئات الدولية والذي وافقت عليه السلطات السورية في كل المناسبات. اقترح الاخضر الابراهيمي مجرد هدنة من بضعة ايام على امل البناء عليها، بحسب قوله. فجاءه الجواب: الاولوية للحل السياسي. والمقصود: الاولوية للحل العسكري.
عن قصد او عن غير قصد، وفّرت مهمة الوسيط الاممي والعربي الجديد، مثلها مثل سائر مهمات الوساطة، مهلة جديدة من بضعة اشهر لتمرير الوقت المستقطع خلال الانتخابات الاميركية ولمنح النظام السوري فرصة جديدة لتحقيق ما يسميه «الحسم».
والمراقب للمواقف العربية والاقليمية والدولية لا يسعه الا ملاحظة ما قد اعتراها من تردد وترهّل وانتظار. على الصعيد الاقليمي، تبدو الحكومة التركية ملجومة او عاجزة، تزداد ضيقا بأعداد اللاجئين السوريين على اراضيها الذين جاوزوا المئة الف. اما وزير خارجيتها داود اوغلو فقد اكتشف خلال زيارته صنعاء ان «الحل اليمني » لم يعد صالحا لـ... سوريا (لم يبلغنا ما اذا كان لا يزال صالحا لليمن!)، فأعلن سحب دعوته الى تنحي الرئيس الاسد لنائبه فاروق الشرع مقدمة للحل السياسي العتيد. من جهة اخرى، تعاقبت العربية السعودية والجمهورية الاسلامية الايرانية على اغتيال مبادرة الرئيس مرسي الرباعية. وتقضي السعودية الوقت المستقطع في جدل بيزنطي مع الابراهيمي حول مدى خطورة استمرار الازمة السورية على تفجير الاوضاع في المنطقة، علما بأن الوسيط يبالغ والمملكة تقلل من ذاك الخطر. واذا الوقت مناسب لامير قطر ايضا ان يحلّ في زيارة لغزة لاضافة تنظيم اسلامي جديد الى محفظته... السياسية !
دوليا، لم تحتل المأساة السورية حيزا يستحق الذكر في مواجهات المتبارزَين على الرئاسة الاميركية. كرر الرئيس اوباما قوله ان ايام الرئيس الاسد معدودة. والاكيد ان تصريحات الرئيس اوباما هي المعدودة، لأنه كررها عشرات، بل مئات المرات، على امتداد عام ونصف العام على الاقل. بينما غريمه رومني يزايد بالدعوة الى تسليح المعارضة السورية.
اللافت الوحيد في هذا الوقت المستقطع هو التحول في الموقف الروسي الذي شهد تصلّبا واضحا في الآونة الاخيرة عبّرت عنه الديبلوماسية الروسية بمغادرتها سياسة المغمغة بصدد مصير الرئيس الاسد والإصرار على انه «باق» للاشراف على «الحل». يصعب تبيّن اسباب هذا التحوّل بالضبط. قد يكون احد الاسباب انتقال الجيش النظامي الى المبادرة الهجومية على عدة مواقع ومحاولاته استعادة عدد من البلدات والمدن التي تسيطر عليها المعارضة المسّلحة. وهذا يعني فرض «الانتصار» امرا واقعا على الرئيس الاميركي المتجدد او الجديد، علما بأن اللجوء المتزايد الى القصف الجوي المدمّر والقاتل لا يبدو انه يحقق الكثير من حيث استعادة الفضاء السوري المنفلت من سيطرة النظام او اجلاء المعارضة المسلحة من المدن الرئيسية او حتى استعادة الجيش النظامي بعض المدن التي خسرها في الاطراف.
المؤكد هو ظهور رواية جديدة كل الجدة لدى القيادة الروسية عن الازمة السورية اعلنها الوزير لافروف حين عمّد الرئيس الاسد بما هو «حامي الاقليات» في سوريا والمنطقة. فها هي روسيا قياصرة المافيات والاستخبارات تستعيد أبشع انواع الطروحات الاستشراقية والمشاريع الاستعمارية بصدد المنطقة. فلا تعريف للاقليات هنا الا الاقليات الاثنية والدينية والمذهبية. ولا معنى لحماية الاقليات الا ان تكون ضد «أكثرية». والاكثرية معروفة هنا ايضا. ومع ان رئيس الديبلوماسية الروسية يبرر دعمه بقاء الرئيس الاسد برفض بلاده اي تغيير لحدود المنطقة وكياناتها، إلا إنه يستعيد اللغة ذاتها والنظرة اياها اللتين اعادت بهما بريطانيا وفرنسا النظر في حدود المنطقة وكياناتها في اعقاب انتدابهما الدولي على المشرق العربي وتجزئته بُعيد العام 1920.
العرض الروسي مقدّم لشريك مفترض في هذه المقايضة الدولية هو الولايات المتحدة الاميركية طبعا. والسؤال: ما هو الثمن الذي سوف تناله روسيا بوتين من هذا الشريك قبل ان «تبيع» الاقليات المشرقية وحماتها؟
fawwaz.traboulsi@gmail.com






 

← العودة إلى مختارات