لبنان من "أرض نصرة" الى "أرض جهاد"؟ - سركيس نعوم (النهار)
سبحان مغيّر الأحوال. كان لبنان قبل حروب الـ1975 – 1990 "دولة مساندة"، اي دولة مهمتها مساندة شقيقاتها العربيات في حال نشوب حرب بينها او بين احداها واسرائيل. هذه المهمة لم يخترها اللبنانيون، بل اختارها لهم وبقبول منهم ملوك ورؤساء الدول العربية من زمان، وباقتراح بل باصرار من الرئيس المصري الراحل جمال عبد الناصر إذ عرف، وبعد تجربته اللبنانية المباشرة في "ثورة" 1958 التي انهاها بالتفاهم مع اميركا والرئيس الراحل فؤاد شهاب، عرف انقسامات لبنان الطائفية والمذهبية وضعف دولته وهشاشة الطبقة السياسية فيه وعجزها عن ان تكون دولة مواجهة. لم يمارس لبنان دوره "المساند" عام 1967 ربما لاقتناع قادته في حينه بأن مصر عبد الناصر ستنتصر لا محالة ولتفاجئهم بسرعة هزيمتها. لكنه مارس هذا الدور عام 1973 في اثناء حرب تشرين الأفضل وبكثير من الحرب المشار اليها اعلاه، رغم ان نتائجها النهائية لم تكن مطابقة للرغبات والتمنيات العربية.
أما في اثناء الحروب التي عصفت بلبنان واستمرت نيفاً و15 سنة، كما في اثناء مرحلة اللاسلم واللاحرب التي مر بها بعد ذلك والتي لا تزال مستمرة، فإنه تحوّل وبفعل المقاومة الفلسطينية المسلحة أولاً والدعم اللبناني الاسلامي و"الوطني" لها ثانياً، وبفعل تأييد عربي واسع لها سواء مباشر او بالتطنيش، تحول دولة مواجهة. بل صار دولة "المواجهة" الوحيدة مع اسرائيل. فعام 1978 اجتاحت الأخيرة قسماً واسعاً من جنوبه وأقامت فيه شريطاً حدودياً، لكن حربها والفلسطينيين على ارضه ومنها لم تتوقف. فنفَّذت بعد اربع سنوات اجتياحاً أوسع بكثير اخرج منظمة التحرير الفلسطينية ومقاتليها من لبنان. ورغم ذلك استمرت المقاومة ولكن بواسطة اللبنانيين هذه المرة، واستمر لبنان "دولة مواجهة شعبية" وليس رسمية. وحققت هذه الدولة انتصارين لها. الأول، ايجابي عام 2000 عندما طردت الاحتلال الاسرائيلي من معظم اراضي لبنان المحتلة. والثاني، سلبي عندما صمدت هذه الدولة نفسها، وكان تحوّل اسمها تدريجاً الى دولة "حزب الله" وذلك بين عامي 1982 و1987 أو ربما بعد ذلك، في وجه حرب شرسة عام 2006 شنتها اسرائيل عليها، بل اكثر عندما منعتها هذه "الدولة الشعبية المواجهة" من تحقيق الاهداف المرسومة لحربها.
لماذا هذا الكلام الآن عن مرحلة مضت وأخرى لا تزال مستمرة باستمرار "دولة المواجهة الشعبية"؟ ليس الهدف منه البحث في ما إذا كان لبنان سيشهد في المرحلة المقبلة "مواجهة" جديدة مع اسرائيل. علماً ان ذلك قد يحصل سواء إذا استدرج "حزب الله" اسرائيل من طريق الخطأ، أو اذا دُفِع الى استدراجها ربما مساعدة للنظام السوري، او اذا قررت اسرائيل ضرب لبنان و"دولته الشعبية المواجهة" تلافياً لصواريخها عندما تَضرُب هي ايران الاسلامية في الوقت نفسه او في وقت لاحق. بل الهدف هو لفت اللبنانيين الى امرين بالغي الاهمية. الأول، ويعرفونه جيداً، هو دخول العالم الاسلامي بعربه وغير العرب مرحلة الاسلامية او الاسلاموية. وهي تعبّر عن نفسها بثورات اطلق عليها العالم اسم "الربيع". علماً ان احداً يتّصف بالموضوعية لا يستطيع حتى الآن ان يؤكِّد تحقيقها هذا الانجاز، رغم ان ازالتها انظمة مستبدة ومحاربتها بنجاح انظمة مستبدة اخرى هما انجاز في ذاته. إذ لولا هذه الانظمة واخفاقاتها وارتكاباتها، ولولا حماية المجتمع الدولي لها بغربه وشرقه، لما وجدت الاسلامية المتشددة منفذاً تعبر منه الى قلوب الشعوب وعقولها. أما الامر الثاني، فهو حصول تغيير جوهري في دور لبنان في المرحلة الاسلامية هذه. وما كان ذلك ليحصل لولا "ربيع سوريا" الذي يدميها منذ 19 شهراً. فسوريا قبله كانت "ارض نصرة" في مفهوم الاسلاميين اي ارض مساندة للمجاهدين في ساحات أخرى كان العراق آخرها. ولبنان كان مثلها. لكن سوريا صارت الآن "ارض جهاد" يمارسه الاسلاميون السنّة ضد نظام الاسد، فيرد عليهم النظام بعسكره وحزبه و"عصبيته" وشيعية حليفه الاستراتيجي الاول في المنطقة إيران وكأنه يواجه بجهاد مماثل. ويبدو ان لبنان صار بدوره "ارض جهاد". فـ"حزب الله" حليف نظام الاسد وايران اضطر الى الكشف، وإن على نحو غير مباشر، عن استشهاد مقاتلين منه داخل سوريا في أثناء أداء "واجبهم الجهادي". وتيارات اسلامية سنّية لبنانية تنادي بالجهاد ضد النظام في سوريا. لا بل تبدو وكأنها تجاهد مع "مجاهدي" سوريا لازاحته. كيف تحوّل لبنان من "ارض نصرة" الى "ارض جهاد"؟ ومتى؟ وكيف سينجلي ذلك من الآن وصاعداً؟