إلى المحتوى
حركة التجدد الديمقراطي
مختارات/

بيـن الشهـرة والتشهيـر - حبيب معلوف (السفير)

أخذ موضوع النزاهة الإعلامية جدلا كبيرا في ورشة العمل التي عقدت نهاية الأسبوع الماضي للبحث في كيفية إعداد حملات إعلامية بشأن قضايا بيئية وحياتية. فإذا تم الحصول على كل الوثائق والمستندات التي تدين مرتكبا، هل من النزاهة نشر اسم المرتكب في تحقيق صحافي إذا عرف المحقق (الإعلامي) أن كل من ينافسه في «الكار» يمكن ان يكون مرتكبا أيضا؟
الجدل حول موضوع «النزاهة» انطلق من مناقشة تحقيق صحافي (تم اختياره من موضوع نشر في «السفير» العام 2008) نشر فيه فضيحة اكتشاف تلوث عيّنات من مياه معبّأة أثناء تصديرها الى خارج لبنان، وحيث نشر الكاتب كل تفاصيل هذه الفضيحة ومستنداتها... الا اسم الشركة وصاحبها. مع العلم اأن الذي كتب التحقيق تابع كل القضية في الصحيفة نفسها، وحوّلها الى قضية جعل منها حملة تطالب أولا بضرورة مراقبة مياه الشرب المعبّأة وغير المعبّأة، المرخّصة وغير المرخّصة، كما التأكيد على ضرورة معاقبة المصدّر والمنتج، ونشر ردود الجهات الرسمية المعنية، محملا إياها المسؤوليات القانونية والأخلاقية...الخ
انقسم الرأي بداية بين من يؤيد بشدة نشر الاسم لكي يعرف الرأي العام اسم الشركة، وبين من يقول إن الهدف هو إظهار أن آلية مراقبة سلامة المياه هي الأساس، ويمكن أن نجد في كل المياه المعبّأة مشاكل، اذا ما تم اخذ عيّنات بشكل دوري وعلى مدار السنة... ولذلك لا يفترض نشر الاسم كي لا تقع الواقعة على رأس واحد، ليتحول الى ضحية، يقفل الملف بعدها على تحقيق انتصار لمنافسين او لسلطات كان عليها ان تراقب وتدين الجميع. وبذلك يقفل الملف على إسكات الرأي العام والإعلام (المتابع) بإظهار ضحية واحدة... التي سرعان ما تعود وتخلص نفسها، بشكل او بآخر، في بلد مثل لبنان.
صحيح أن الرأي الذي أيّد نشر كل تفاصيل الموضوع ومتابعته من دون نشر الاسم، هو الذي انتصر في نهاية المناقشات، إلا أن الأسئلة بشأن كيفية تحويل المشكلات الى قضايا، واختيار القضايا التي تستحق الحملات، واختيار تقنيات إعداد حملة وجمع المعطيات الضرورية اللازمة بشأنها لم تنته... بالإضافة الى الأسئلة المتعلقة بكيفية التحقق من مصادر المعلومات. فالتحقق من المصادر ليس بالأمر السهل. فغالبا ما يكون المصدر منافسا في السوق، او صاحب سلطة يشن حربا على سلطات أخرى او موظف يريد الانتقام بأي ثمن او صاحب منفعة ما... الخ ونادرا ما يكون المصدر «فاعل خير» لا يهمّه إلا «الصالح العام»، لاسيما اذا كان الأمر حسّاسا، في بلد بات فيه الشواذ قاعدة وفقد فيه الإحساس العام، إن بالملك العام او بالحق العام.
قد يغلب طلب الشهرة وحب الفضح على روح التأنّي وانتظار التأكد من المصدر ودوافعه وخلفياته... فيتم التضحية بالموضوع والموضوعية على حساب ما يسمّى «السبق الصحافي»، او على حساب حـب التــميز أو من اجــل بعــض المكاســب الصغيرة، التي مهما بلغ حجمها، تظل اصغر من اصغر قضية على الأقل.
قد يتحول حب الذات للشهرة ، تشهيرا غير بريء بحق الآخر وإن كان مرتكبا. مما يعيد طرح الكثير من الأسئلة بشأن المهمة والدور والوظيفة للإعلامي، بين ان يكون محققا يبحث عن الحقيقة، او قاضيا يصدر الأحكام. لذلك تم التأكيد على ضرورة أن يكون الإعلامي المهتم بقضايا البيئة والحياة ملتزما بقضايا وقيم محددة، ناجمة عن قراءات واجتهادات عميقة في الفلسفة البيئية. وعلى ضرورة التحصّن بثقافة بيئية علمية وفلسفية تساعد في القدرة على التقييم والتحليل المنطقي.
أما بشأن كيفية إعداد الحملات الإعلامية وكيفية اختيار الاواضيع والقضايا التي تحتاج الى حملات، فأمر اخذ الكثير من النقاش، وهو لا يزال يحتاج الى المزيد، في ظل تزايد الحملات المتفرقة من هنا وهناك، اذ يتنافس في هذا الميدان منظمات المجتمع المدني مع شركات الإعلانات مع الأحزاب والتيارات السياسية... مع الكثير من القوى الفاعلة في السوق والمجتمع.
 

 

← العودة إلى مختارات