قانون انتخاب «عصري» - حسام عيتاني (الحياة)
ما هو التغيير الجذري الذي سيدخله تغيير القانون الانتخابي المقترح إلى الحياة السياسية اللبنانية؟ ما هو الفارق بين الائتلاف السياسي، الموالي والمعارض، المهيمن اليوم، وبين مجموعة قد تأتي بها أي صيغة من الصيغ المقترحة للقانون؟
يصر المسيحيون على رفض ما يعرف «بقانون 1960» الذي يقولون انه يحول دون تمثيلهم تمثيلاً صحيحاً في الهيئة التشريعية. والقانون المذكور يقوم على النظام الأكثري على مستوى القضاء. وبما أن الكثير من الأقضية اللبنانية مختلط طائفياً، ولا يشكل المسيحيون أكثرية إلا في عدد محدود منها، فإن قسماً كبيراً من نوابهم يفوز بفضل أصوات المسلمين. لا يريد المسيحيون نواباً لهم بأصوات غيرهم. وضمن منطق التقاسم الطائفي، لا غبار على هذا الاعتراض.
وتقدمت الحكومة بمشروع قانون يقسم لبنان إلى ثلاث عشرة دائرة تتبع النظام النسبي لكن داخل القيد الطائفي. انقسم المسيحيون حيال هذا القانون وطالب بعضهم برفع عدد الدوائر إلى 15، مع تمسكهم برفض العودة إلى قانون الستين. وفي الوقت الذي تساند فيه الثنائية الشيعية (حركة «أمل» و»حزب الله») إقرار النسبية المفيدة لحليفها ميشال عون على مستوى تعزيز تمثيله المسيحي، لا يبدي تيار «المستقبل» ولا الحزب التقدمي الاشتراكي حماسة لإدخال تعديلات كبيرة على القانون الذي جرت الانتخابات في الدورتين السابقتين في ظله...
يمكن الاستمرار إلى ما لا نهاية له في الكلام داخل هذه الدائرة من المواقف المتقابلة التي يعاد استحضارها من براد النقاشات البائتة كل اربع سنوات: التمثيل المسيحي. الدوائر المتوسطة. النسبية. قانون انتخابات عصري...الخ.
وعلى جاري العادة، يُهمل وسط معمعة التقاسم الشره للسلطة وامتيازاتها وغنائمها، السؤال الجدي عن معنى الانتخابات كتجديد للتفويض الشعبي للنخبة السياسية، للإدارة السلمية للاختلافات الاجتماعية ولحماية مصالح المواطنين الداخلية والخارجية، أي التعريف التقليدي «البرجوازي» للعملية الديموقراطية.
والحال أننا أمام طبقة سياسية شديدة التجانس في ما بين مكوناتها رغم التباين السطحي الظاهر بين «14 آذار» (مارس) والثامن منه. ذلك أن المضمون «الكليبتوقراطي» (نسبة إلى «حكم اللصوص») هو ما يشكل صلب النظام السياسي اللبناني. فلا قيمة لمنصب أو موقع رسمي إلا بقدر العائد الذي يوفره لصاحبه ولجماعته القريبة. ولا شبه بين العائد هذا وبين المكاسب التي يحققها الممثل المنتخب في برلمانات العالم، بل هو نتاج عقلية الاقتناص والسلب وأقرب إليها من مفهومي العمل السياسي والخدمة العامة.
أضف إلى ذلك، انغلاق التجديد ضمن الخط السلالي للأسر السياسية. فلا زعيم طائفة يبرز إلا ويسعى إلى تشريع زعامة رهطه العائلي، وفي أحسن الأحوال رعاية من يثبت الولاء المطلق لمُقدم الطائفة وأميرها. عليه، تبدو الانتخابات اللبنانية، بغض النظر عن القوانين المُنظِّمة لها، كعمليات توريث، أسري وطائفي لمدراء جدد لآليات النهب الوطني لما يتجمع في صناديق واردات الدولة، ما يكفل بقاء النظام الطائفي وسادته والمستفيدين منه.
المواطنون اللبنانيون ليسوا بغافلين عن هذه الحقائق التي تواجههم في وقائع حياتهم اليومية. لكن جلّهم يغض النظر عن مساوئها معتقداً انه سيحصل في يوم قريب أو بعيد على نصيب من رحلة الصيد هذه.