عجز السياسة وتجّارها أمام الاقتصاد وتحدّياته - مازن حايك (النهار)
صدر عن عدد من "تجار السياسة" في لبنان كلام يُحذّر من تدهور الأوضاع الاقتصادية – الاجتماعية والمالية، مع بلوغ الدين العام عتبة الـ 55،4 مليار دولار أميركي، أي ما يعادل 1364 بالمئة من الناتج المحلي، وهي نسبة مرتفعة جداً... وكأن المسؤول غير سائل عمّا آلت إليه الأمور، إلاّ من باب رفع العتب وإطلاق التصاريح، وبالتالي فهو لا يتحمّل مسؤولية الانهيار، بل يحمّلها لغيره! في موازاة ذلك، يظهر اليوم حرص على تأمين الموارد اللازمة لتمويل سلسلة الرتب والرواتب، عبر فرض المزيد من الضرائب والرسوم والأعباء على كاهل اللبنانيين، كأنه من قدر المواطن أن يدفع دائماً ثمن العجز الذي يميّز من يُفترَض فيهم حسن إدارة شؤون البلاد، وأن يتكبّد تكلفة المحاصصة والمحسوبية والتوظيف السياسي والبطالة المقّنعة على مرّ السنين، وأن يألف غياب الانتاجية والفعالية والمساءلة والمحاسبة في الإدارة، وأن يتحمّل ظاهرة انتشار "الواسطة" والاهدار والإفساد والرشوة والابتزاز وصرف النفوذ والإثراء غير المشروع... وأخيراً، أن يتأقلم مع فكرة انحسار الخدمات العامة التي أصبحت باهظة الكلفة ومتردّية النوعية ونادرة الوجود!
هكذا، وبكل بساطة، يُطلب من اللبنانيين مجدّداً تمويل "جحافل" القطاع العام، وغالبيتهم من المحظيين والمستفيدين غير المنتجين، في وقت كان يُفترض اعتماد مبدأ الكفاءة والجدارة، لإنصاف المستحقّين الفعليين وتدريبهم وصقل مهاراتهم وتأمين تدرّجهم وتقاعدهم المشرّف، خصوصاً أولئك الذين يخدمون الوطن والمواطن بتفانٍ وإخلاص وصمت. كما يُفترض وضع حدّ للنزعة المتمادية نحو الاستدانة وزيادة الضرائب والرسوم كلّما لاح في الأفق استحقاق، مثل تغطية كلفة الدين أو دفع الرواتب أو تأمين المصاريف على أنواعها... وبالتالي، الاستعاضة عنها بالاستثمار في القطاعات المنتجة، وإيجاد السبل الكفيلة بتأمين الأمن والاستقرار والمناخ المحفّز للنمو والاستثمار والأعمال، بالتزامن مع نشر "ثقافة العمل" والانتاج والاستحقاق... كل ذلك بهدف خفض المديونية، وتنشيط الحركة الاقتصادية والسياحية والاستهلاكية الهامدة، وتوفير فرص عمل جديدة واعدة.
من هنا، تجب المباشرة فوراً، وقبل فوات الأوان، في تنفيذ الإصلاحات الملحّة في بُنية الدولة المالية والنقدية والضريبية والإدارية، عبر خطة طويلة الأمد تشمل الأهداف المتوخاة، والإمكانات المتاحة، والمداخيل المرتقبة، والإجراءات الممكنة، من تقشّف وإعادة هيكلة وتحديث وتطوير وخفض النفقات وزيادة الواردات... وصولاً إلى النهوض والتعافي والنمو وزيادة قدرة لبنان التنافسية وتعزيز ثقة المواطن - المستهلك. وإلاّ، سنكتشف يوماً مدى عجز "تجار السياسة" أمام الانهيار الاقتصادي – والمالي، بعدما اكتشفنا فشلهم في معالجة الأزمات السياسية والأمنية!
Twitter: @HayekMG