أمثولة الربيع العربي: الحرية ليست بحاجة إلى وكلاء مزينين - هاني فحص (السفير)
يريد كثيرون مصادرة مستقبل الربيع العربي الصعب جداً، وقطعاً، والآتي من دون ريب. يريدون أن يصادروه باحتمالات الفوضى المسلحة وبروز التيارات السلفية الجهادية المتنازعة أو المتصارعة التي قد يجرّها شوقها المعتق الى التسلط وإجراء الحدود الشرعية ضد الشريعة، ناسين أو متناسين عمداً أن ثورات كبرى في التاريخ، ولنبدأ من الإسلام، لم يستقم أمرها بسرعة، ولعله حتى الآن لم يستقم أمر الإسلام، على الصورة المرتجاة، من دون التقليل من أهمية الإنجازات، والسلبيات كذلك. لقد اختلف المسلمون وظهرت في العقود الأولى تيارات متطرفة لم تقصّر في الارتكاب، وقد قتل ثلاثة من خلفاء الرسول قطعاً، وهناك من المؤرخين من يحتمل أن يكون أبو بكر الصديق قد قتل أيضاً. ومن دون مبالغة، فإن هناك ما يعني أن الثورة المضادة هي التي حكمت باسم الثورة، وعندما حاول عمر بن عبد العزيز التصحيح قتل أيضاً، وقبله كانت المدينة قد استبيحت والكعبة قد أحرقت والحسين قد قتل، وقال قاتله: «لا خبر جاء ولا وحي نزل». ولكن المسيرة لم تتوقف. وما زالت في داخل التاريخ لا خارجه، وإن كان كثيرون يحاولون أن يضعوا الإسلام في وجه حركة التاريخ وهو أقوى وهو الذي يغلب بوقائعه الملموسة نياتهم وأوهامهم المدسوسة.
والثورة الفرنسية أمّ الثورات الحديثة أو البداية العـملية والفعلية لأفكار الأنوار، لم تلبث أن أنتجت المظالم والفوضى والمشانق، وكان روبسبيير الفاتك أحد علاماتها، وتخلــلتها انتكاســات في الداخل عندما انقلبت الجمهورية المنشودة الى امـبراطورية على يد نابوليون الأول والثــاني والثــالث. وبدل الإخاء والحـرية والمساواة، لبـست الثورة ثوبها الاستعماري، واستغرقت أكثر من قرنين لتستوي على حال من الديموقراطية في الداخـل، والبدء بتحسين العلاقة بالمستعمرات من خلال تحديث الاستعمار أو تخفيفه، ولو شكلاً وفي بعـض الأمكنة فقط.
والثورة الروسية لم تشكُ من قلة الانقسامات والصراعات الدموية والانقلابات في كل عهودها من مجزرة كرونشتاد بقيادة تروتسكي ضد الفلاحين والعمال، الى مجازر داخلية متعددة، الى الحرب الشرسة التي أنهت «المناشفة» بسلاح «البلاشفة»، هذا في زمن لينين. وقد بلغ القمع والقتل والاستبداد مبلغه في عهد ستالين الذي انقلب عليه نيكيتا خروتشيف شكلاً أكثر منه مضموناً. وكان دور (بيريا) حاضراً في ذاكرة القيادات التي حصد ستالين بتوجيه وتحريض منه رؤوساً عدة منها، فضلاً عن الملايين التي قتلها والشعوب التي هجرها.
ولكن الدولة في المحصلة قد تشكلت وأنجزت، ثم سقطت تجربتها في السلطة لأسباب داخلية أهمها نقص الحريات والعقل الشمولي والاستيلائي على العقول والشعوب. هذا بعدما رفعت روسـيا من مقام بلاد زراعية فلاحية متخلـفة الى مقام دولــة عــظمى أو إحدى القوتين الأعظم في العالم. ونحن نعرف أن حدوث الثورة الاشتراكية في روسيا كان مخـالفاً للوصفة الماركسية التي تشترط تقدماً صــناعياً وطبقة عمالية مستغَلّة وبورجوازية مستغِلة حتى تقوم الثورة.
وننتقل الى الثورة الإيرانية التي انفتحت معركة شرسة في الايام الأولى بينها وبين دولتها قيد التأسيس من جهة وبين تيار قومي آذري في تبريز وحولها بقيادة مرجع ديني (شريعتمداري) وتحت راية «حزب خلق إيران» أي حزب الشعب الإيراني، وانفجرت المسألة القومية في كردستان إيران وقتل الجنرال (قرني) وزير دفاع دولة الثورة، كما انفــجرت المعــركة مع اليــسار (أحــزاب «توده» و«رنجــبر» و«بيـكاران» و«فدائيان» خلــق) أي الحزب الشيوعي والكادحين والمناضلــين وفدائيي الشــعب، مضـافة الى بداية احتجاجات وتحركات عربية قومية في خوزستان (عربستان) قمعت بالقوة كما هو معروف، وإلى انفجــار الــصراع بين الثـورة ودولتها المركبة من الإسلاميين أو الليـبراليين و(مجـاهدي خلق ـ إيران) مع مجاهدي الشعب المنظمة المعروفة في إعـلام الدولة بالمنــافقين، والتي جنحت الى اليــسار والخلط العــشوائي بين الاســلام والماركسية، ومعاداة رجال الدين، بعدما كانت إسلامية التأسيس منذ أواسط الخمسينيات (بعد مصدق)، وهذه الصراعات لم تمــنع أن يحتدم الصراع بين القوى المتحالفة في الثورة والدولة، حتى انفجر مع (جبهه ملّي) الجبهة الوطنية بقيادة (كريم سنجابي) في حين كان الغليان يشتد بين الإسلاميين و(نهضت آزادي إيران) حركة تحــرير إيران بقيادة (مهدي بازركان) والتي تخلت عن حليفها سنــجابي. هذا ولم يمنع نشوب الحرب العراقية ضد إيران من تفـاقم هذا الوضــع. وفي هذه الأثناء، كانت فروع (فرقان) الإرهابية المتحــدرة من الوسط الديني تمــارس تفجــيراتها واغتـيالاتها الكــثيرة والمتواصلة منذ الأيام الأولى، فاغتالت مطهري ومفتح وآخرين من كبار قيادة الثورة وعلمائها.
وبعدما سمعنا وشاركنا في الهتاف المبكر بالموت لبازركان، رئيس الوزراء، لأنه أميركي وضد القائد (الخميني)، لم يلبث الصراع الساخن بين حركة «تحرير إيران» والتيار الإسلامي أو تيار رجال الدين أن انفجر بقوة، وبخاصة بعد لقاء بريجنسكي والدكتور ابراهيم يزدي في الجزائر، واعتبار ذلك إصراراً واستمراراً في عزل الإمام الخميني ومحاصرته. وكان الرد في احتلال السفارة الأميركية، وعودة الإمام من قم الى طهران، ليمارس دوره كاملاً، وملغياً دور رئيس الجمهورية (بني صدر) الذي وجد نفسه في صف أعدائه التاريخيين (مجاهدي خلق) وفي الحضن الأميركي في المحصلة. وترك ولاية الفقيه تستحكم بالدولة وتختزلها الى حد الرد المباشر على السيد علي خامنئي أيام رئاسته للجمهورية بعد اعتراضه على التوسع في تطبيق القوانين الصادرة عن مجلس النواب في مجال العمل والعمال والإصلاح الزراعي، الخ. وبعد استقرار الدولة والثورة نسبياً وتأقلمها مع الحرب العراقية، انفجر الصراع داخل المؤسسة الدينية لسبب مباشر هو (إيران غيت) ودور مهدي هاشمي في كشفها، ما اغتنم كفرصة لعزل الشيخ حسين علي منتظري من السياق لأن هاشمي محسوب عليه.
وكل هذا لم يمنع قيام الدولة الإيرانية واستــكمال بـناء مؤســساتها بجرعة نسبية من الديموقراطية والقمع اللازم لاستمرار السلطة، ولم يمنع من كون هذه الدولة قوية، وإن كانت تستخــدم قوتهــا بما قد يعود عليها بالضـعف في النــهاية، من خــلال طموحها المتفاقم الى مد نفوذها الى الخارج، ومن خلال النقص الكبير في الحريات في الداخل، وتعثر عملية التنمية بسبب المغامرات والمبالغات، ما كان وراء حركة الإصلاح التي ما زالت كامنة وممــكنة. هذا وكـلنا نتغنى بجمال عبد الناصر ونغني له، من دون داعٍ لنسيان مشاكل الثورة من أيامها الأولى الى النكسة الفضيحة، التي كان سببها الاستبداد والفساد. كل ذلك لم يمنع من قيام دولة قوية في مصر كانت تحتاج الى مزيد من العناية حتى لا تتحول الى سلطة قمع وفساد وإفساد.
والآن. الآن، ومند احتراق جـسد البوعزيزي الذي أحرق كل الأوراق التي زوّرت التاريخ العربي الحديث، الى استخدام الطائرات المشتراة لحماية الأجواء السورية والمواطنين السوريين من اعــتداءات اسرائيل، في رمي البراميل المتفجرة على منازل الفــلاحين في أرياف سوريا، يتأسس مشهد أو وضع أو واقع أو مستقبل عربي على الحرية والشجاعة في إسقاط الاستبداد، من دون نية في التراجع أو المساومة على الحق والحقيقة، وعلى الأمن والحرية والوحدة والعدالة، مع استعداد للصبر على الأثمان الباهظة وعلى طول الزمن اللازم للشفاء من المرض الاستبدادي المزمن والعضال، ومع وقوف الجميع أمام أمثولة ضـامنة تقول: إن الشعوب العربية قد تعلمت درساً لن تنساه ولن تتخلى عنه في إسقاط المستبد، فإن اخترقت الثورات بالثورات المضادة وساعدها الغرب والشرق على استبداد جديد يرفع شعار الاسلام أو الحـرية، فإنها أصبحت جاهزة لإسقاطـها لأنها اكتشــفت قوانين الإسقاط ولم تعد بحاجة الى وكلاء مزيفين ينقلبون ثم ينقلبون بسرعة على الانقـلاب والناس. هذه الأمثولة تقــول لمن يختزلون الثورة بالخـوف منــها أو عليها وبالاختراقات الرديئة لجسمها: سنرى وترون.