الميثاق والدستور... والإستثناء المدوِّي في مواقف الرئيس - زياد الصائغ (الجمهورية)
ليس استثنائياً أن تكون بوصلة أيّ موقف في الشأن العام باتجاه الميثاق والدستور، وليس استثنائياً ألا تكون التوافقية حيادية بمعنى الرمادية في المواقف. الاستثناء يكمُن حين يُمسي الشارع متفلتاً من معايير الميثاق والدستور، والاستثناء يتبدّى أيضاً حين يُمسي اللاموقف مَفصلاً من مفاصل تفادي المواجهة من أجل الميثاق والدستور.
اللااستثناء كان مدوياً في مواقف رئيس الجمهورية العماد ميشال سليمان الأخيرة، وكان سَبَقها حتماً مواقف أخرى منذ أن كان قائداً للجيش اللبناني، وتحديداً في مفصلية الاستقلال الثاني التي حقّقها الشعب اللبناني في العام 2005، بما أكّد على أهمية التحرّر مُلاقِياً التحرير في العام 2000. ويا ليتنا وَعينا أن التحرير اكتسب معناه بالتحرّر، وأن إرادة العيش معاً وحدَها كفيلة بمقاومة منطقي الاحتلال والاستباحة على حدّ سواء. فشكراً فخامة الرئيس لأنك أعدتنا الى ثقافة اللااستثناء في ممارسة الشأن العام للخير العام.في أي حال يتكشّف عن هذه العودة الى ما كان يسمّيه الرئيس فؤاد شهاب "الكتاب" قناعة راسخة بمبادئ تأسيسية قام عليها لبنان ولم يزل، وتحديداً في ما يتعلق بحياده الميثاقي، مروراً بعروبته، وصولاً الى تموضعه في سياق بلورة مفاهيم الشرعية الدولية فلسفةً من خلال "الشرعة العالمية لحقوق الإنسان"، وتنظيماً من خلال إسهامه في بناء "الأمم المتحدة".
والحياد الميثاقي لا يعني استقالة من الوقوف الى جانب القضايا العربية المُحقّة، وحتى تلك الدولية منها، بل هو ابتعاد عن الانزلاق في استعمال هذه القضايا كأوراق مقامرة ومُقايضة ومساومة، وتصفيتها مع استسهال ادعاء حمايتها. والحياد الميثاقيّ أيضاً لا يعني قبولاً أبداً بأيّ تجاوز للسيادة، بل صوناً لها من خلال احترام المواثيق والأعراف الدولية، وهنا لا يعود بالأولى مُسايرة الصديق أو الشقيق، بل هو مُلحّ إفهامهما أننا كلبنانيّين لسنا حياديّين في الدفاع عن بلدنا.
أما العروبة، والتي كان النفَسُ اللبنانيّ المسيحيّ - الإسلاميّ أساساً في تكوينها كمفهوم حضاريّ جامع، فلا تعني أبداً انصهارا للاختلافات وتذويبا للتمايُزات، بقدر ما عَنت لمُفلسفيها نهجاً في حماية التعدّدية بمبادئ الديموقراطية والحرية وحقوق الإنسان.
أمّا ما نال من حقيقة العروبة، فهو تقزيمُها بشعارات شعبويّة استنفاريّة للغرائز أضاعت فلسطين، وكرّست ديكتاتوريات قمعية على مدى أكثر من أربعين عاماً أمسى فيها العرب في متحف التاريخ بَدل الانخراط في سياقات صنع القرار العالمي، ليس بمعنى تقاسم النفوذ، بل بهدف تزخيم قيمة العدالة على المستويات كلها.
من هنا بدا جليّاً أن الربيع العربي انطلق من بيروت منذ سبع سنوات، ومعركة مواجهة اغتياله ستبدأ، وهي بدأت من بيروت، وستتكرّس في تلاقي الليبراليّين العرب قريباً تحت مظلّة ما يؤمنون به، وتحديداً الدولة المدنية والمواطنة كنموذج جديّ لاحترام كلّ إنسان وكلّ الإنسان.
ويبقى تموضُع لبنان من ضمن الشرعية الدولية، تأكيداً على أنّه قادر على تقديم نموذج في العيش معاً، على رغم التناقضات التي تحكم تركيبته المجتمعية - الطائفية، والسياسية - الاصطفافية. من هنا، بات، وعلى كثير من الإلحاح، أن يوقِظ لبنان ديبلوماسيته النائمة حيناً، والمرتهنة أحياناً، ويستنهض خياراته الإقليمية والدولية على قاعدة مصلحته العليا أولاً وأخيراً.
في كُلّ ما سبق، تتكشّف مواقف رئيس الجمهورية الأخيرة جرسَ إنذار وطني، يجب أن يَفهم فيه القاصي والداني أنّ زمن التجرّؤ على لبنان ما كان يوماً مقبولاً لدى رجالات الدولة الحقيقيّين، وأن بعض البراغماتيات كثيراً ما أملاها وَهجٌ تهديديّ وموازينُ قوى فرضتها خيارات خاطئة ورهانات خطايا، وليس مسموحاً أبداً بعد اليوم تبريرها وتكرارها.
فخامة الرئيس، شكراً لأنك استعدت للدستور وَهجَهُ، وكلّنا ثقة والكتلة الصامتة أنّ في ضميرك يحيا الميثاق...!