«ميادين» النهايات - حسام عيتاني (الحياة)
يشبه انطلاق محطة «الميادين» الفضائية إعلان نهاية حقبة أكثر مما يبشر ببداية مرحلة جديدة.
والحال أن المحطة التي ترافق إعلانها مع صخب إعلامي، لا تحمل جديداً أو قيمة مضافة في المضمون، عن غيرها من المحطات، بعد قرابة الشهر من بداية بثها.
ويكاد جدول برامج المحطة لا يختلف عن ثوب أُشبع غسلاً ونشراً تحت الشمس الحارقة وكياً ولبساً: كثرة صور مفاتيح البيوت الفلسطينية بأيدي اللاجئين من دون أي مقاربة واقعية لحقيقة مآسي الفلسطينيين في المنافي (وخصوصاً في لبنان) ومن دون تناول جدي للتطورات الفلسطينية الحالية والاستعاضة عن كل ذلك بالكلام المستهلك عن «البوصلة». وسعي إلى واقعية وهمية في مقاربة الشأن السوري لا تفعل- رغم استضافة عدد من المعارضين- غير تأكيد رواية النظام وتسعير دعاية الحرب الأهلية وتبرير المجازر. أما الحاضر الأبرز فهو بلا ريب فزاعة الجماعات الإسلامية المسلحة الناشطة في دول تمتد من العراق إلى لبنان وسورية.
ولعل فضيحة المحطة تكمن هنا بالذات. فالدعايات التي رافقت تأسيسها واختيار هذا الاسم لها، زعمت أن الهدف هو تغطية الحراك الجماهيري العربي في ميادين التغيير وثورات الربيع العربي بعدما كشفت المحطات الموجودة عن انتقائية وانحياز في التناول. ففي ذلك الإعلام تُهمش ثورة البحرين فيما يجري إبراز الثورتين الليبية والسورية لغايات في نفوس المسؤولين عن الفضائيات الإخبارية العربية وغيرها من وسائل الإعلام الممولة من دول الخليج. بيد أن «الميادين» تفعل عكس ما تقول، فتشدد على كل ما من شأنه «عقلنة» خطاب الإقصاء السلطوي في دول بعينها والتعمية على حقائق أخرى تفوق ما تعلنه المحطة، أهمية وخطراً.
الإرباك الظاهر في «الخط التحريري» للفضائية الجديدة يتمثل في التزامها التوجهات السياسية للجهات الممولة للمحطة، من جهة، واضطرارها إلى الحفاظ على غلالة رقيقة من الموضوعية التي لا تكفي لستر منظومة الانتماءات، الأيديولوجية وغيرها، للمجموعة المسيرة لـ «الميادين». وقبل أعوام صدرت في بيروت صحيفة قالت إنها تؤسس مدرسة جديدة في الإعلام العربي. القناع الذي رفعته الصحيفة تلك كان أمتن وأدق صنعاً من هذا الذي لجأت المحطة إليه اليوم.
والأقرب إلى الصواب أن إعلام الممانعة بنسخه وطبعاته المتعددة، وصل إلى لحظة الحقيقة. فهو مضطر للسير في ركاب الأنظمة التي مولته وأنشأته فيما تتقلب هذه في سكرات الموت وفراشه. وما من استثناء من هذا الواقع إلا إذا تمكنت وسائل إعلام الممانعة من قطع الخيوط التي تحركها بها – من وراء الحجب- الأطراف الممولة والموجهة واجترحت خطاً مستقلاً يقترب ولو قليلاً من الشعارات الطنانة التي ترفعها.
تبقى ملاحظتان: الأولى أن الإيجابية الوحيدة لوسائل الإعلام المذكورة هي توفيرها فرص عمل لمئات من الشباب في زمن الأزمة الاقتصادية، والثانية أن هذا الكلام قد يحرض قائلاً ليقول بزيف ما ذهبت المقالة إليه بدليل صدوره في صحيفة تتلقى تمويلاً، كغيرها من وسائل الإعلام التي تعرض المقالة أوضاعها. في الرد على هذا القائل المفترض، يتعين التوضيح أن في عصر الشبكات الاجتماعية ووسائل الإعلام الإلكترونية، أصبح رفع الحواجز وفرض الرقابات أمام أي صنف من الكلام غير مفيد إلا في ذهن صاحبه. وأن الأسرار صارت أقل مما يعتقد كثر، والوصول إلى الحيز العام أسهل من أن تحول دونه أمزجة.