إلى المحتوى
حركة التجدد الديمقراطي
مختارات/

فرصة بغداد - ساطع نور الدين (السفير)

لعل أهم ما في الجولة الحالية من المفاوضات النووية الإيرانية مع المجموعة الدولية السداسية، انها تعقد في بغداد، العاصمة التي لا يمكن أن تصنّف في منتصف الطريق بين الجانبين، لكن إدراجها في مدار النفوذ الايراني يحتاج الى الكثير من التروي.
كانت مفاجأة فعلا أن يقترح الإيرانيون في جولة اسطنبول الاخيرة الشهر الماضي، استئناف التفاوض في بغداد بالذات، وإن توافق مجموعة الدول الـ٥+١ على الاقتراح فورا. تردد يومها أن ايران تود أن تعاقب تركيا على موقفها من الأزمة السورية، الى أن ثبت على مدى الأسابيع الاربعة الماضية أن الوسيط التركي حقّق اختراقا مهما، وبات الجانبان جاهزين للتوصل الى تسوية حول الخلاف النووي المصطنع، حسب تقدير كل من طهران وأنقره.

كانت طهران، كما اتضح من اختيار بغداد، تود الإيحاء بأنها هي جلبت المجموعة السداسية الى منطقة نفوذها الأبرز والأهم، لكي تحصل على اعتراف دولي صريح وواضح بذلك النفوذ المؤثّر في العراق، مقابل ان تقدم التنازلات المنشودة في ملفّها النووي التي تهدف الى رفع العقوبات الدولية الخانقة... بكلمة اخرى يمكن لإيران القول إنها حصلت على ثمن مسبق، او على دفعة كبرى على الحساب، مع أنها أصرّت على الاشارة الى انها اختارت العاصمة العراقية للتأكيد على عودة العراق الى وضعه الطبيعي ودوره الاقليمي، الذي بدأ في استضافته للقمة العربية في آذار الماضي.

وهو تقدير إيراني صحيح الى حد بعيد، مع أن الأميركيين عبّروا في الآونة الاخيرة عن تقديرات معاكسة تفيد أن العراق الذي يمضي قدما في زيادة إنتاجه من النفط، ما يلحق الأذى بالاقتصاد الايراني، ويلتزم بالعقوبات الدولية على ايران، لا يمكن ان يوصف بسهولة بأنه خاضع للنفوذ الايراني، لا سيما أن غالبيته الشيعية، سواء على مستوى السلطة او الاحزاب او التيارات السياسية او طبعا المؤسسة الدينية، لا تكن ودا شديدا لإيران وتجربتها الدينية، وإن كانت تخشى حتى الان على الاقل من الدخول في مواجهة علنية مع طهران... مع أن الحملة الراهنة على رئيس الوزراء نوري المالكي لا تخرج عن هذا السياق، وتنبؤ بأن ايام الإيرانيين العراقية لن تكون سهلة في المستقبل.

واذا ما ثبت أن بغداد ستكون شاهدا على التسوية التاريخية بين ايران وبين الغرب، فإن العراقيين يمكن أن يصبحوا أول المستفيدين، ربما اكثر من الإيرانيين الذين سيباشرون في عملية مراجعة تاريخية أيضاً لسياساتهم الخارجية التي اعتمدت منذ نجاح ثورتهم الاسلامية. وهي فرصة عراقية لا تفوت، يمكن ان تعيد ذلك البلد العربي الى صدارة الشرق الاوسط اذا أحسن المسؤولون والسياسيون العراقيون استثمارها.

من حق بغداد أن تفخر بهذه الفرصة التي وفّرتها الصدفة الإيرانية والحاجة الاميركية والدولية الى إقفال ملف عالق منذ اكثر من ثلاثين سنة.
ساطع نورالدين

 

← العودة إلى مختارات