إلى المحتوى
حركة التجدد الديمقراطي
مختارات/

أين الخطر من فيلم على الايمان؟ - الاب جورج مسوح (النهار)

التهمة جاهزة دائماً. "يمسّ بالديانة المسيحيّة (أو بسواها)"، "يسيء إلى الطائفة الفلانيّة"، "يثير النعرات الطائفيّة"... والنتيجة منع فيلم أو مسرحيّة أو مسلسل تلفزيونيّ، أو مصادرة كتاب، أو حظر معرض فنّيّ... وآخر المتّهمين فيلم "تنّورة ماكسي" الذي ربّما سيتمّ منعه بعد إثارته عددًا من "الغيارى".
لم يتسنَّ لي أن أشاهد الفيلم، وقد لا أشاهده، لكنّني أريد أن أتحدّث في المبادئ المرتبطة بمسألة الحريات العامّة، لا سيّما المبادئ الدينيّة بعامّة، والمسيحيّة بخاصة. فمساحة الحرية تضيق في بلادنا بسبب وضع بعض المؤسّسات والتيّارات الدينيّة أيديها على المجتمع، فتحدّد ما يجوز لهذا المجتمع ممارسته وما لا يجوز، وتنصّب نفسها وصيّةً عليه وعلى قيمه.
ثمّة في بعض البلدان العربيّة شرطة دينيّة (المطاوعة) تلاحق الناس لتفرض عليهم بعض السلوكات الظاهريّة من دون النظر في مضمونها ومدى نفعها. خشيتنا أن نرى في بلادنا شرطة دينيّة، لدى كلّ طائفة من الطوائف، تراقب وتلاحق وتتّهم وتقضي وتنفّذ وفق ما ترتأيه من صواب أو خطأ. ألا يكفي أن تصادر الطوائف مواطنة اللبنانيّين كافّة فتجعلهم تحت سيطرتها، بل تريد أيضاً أن تصادر عقولهم وإراداتهم وخياراتهم وأذواقهم؟
تقول الديانات كلّها بأنّها مع حرّية الإيمان والاعتقاد والتعبير، انطلاقًا من قاعدة عامّة يمكن إيجازها بالآية القرآنيّة "لا إكراه في الدين" (سورة البقرة، 256). ويصدر كبار اللاهوتيّين والفقهاء كتباً ومقالات ووثائق وأبحاثاً مليئة بالآيات المقدّسة، ومبنيّة على التراث، عن احترام الديانات للحرية البشريّة. غير أنّ الواقع يذهب في اتّجاهات مغايرة كلياً للنظريّات المنشورة. وللأسف الشديد، ثمّة تشدّد دينيّ، مسيحيّ وإسلاميّ، يمنع بعضهم من التعبير عمّا يرونه خوفًا من ردّات فعل عنيفة بحقّهم.
وفي الوقت الذي نجد فيه المسيحيّين يطالبون بالمزيد من الحرية في بعض الدول الإسلاميّة، ونجد فيه المسلمين يطالبون بالمزيد من احترام إسلامهم في بعض الدول الغربية، نلاحظ أنّهم، مسيحيّي ومسلمي بلادنا، لا يحترمون الحريات العامّة ولا يرضون لسواهم ما يطلبونه لأنفسهم. يقول السيّد المسيح في قاعدته الذهبية: "عاملوا الآخرين مثلما تريدون أن يعاملوكم. هذه هي خلاصة الشريعة وتعاليم الأنبياء" (إنجيل متّى 7، 12).
ثمّ إذا كان أحد الأفلام أو المسلسلات أو الكتب يسيء إلى الديانة المسيحيّة أو سواها، فالردّ لا يكون بالمنع بل باستعمال الوسائل الحضاريّة الأخرى. فما الحاجة إلى منابر الوعظ والهداية، وإلى الوسائل الإعلامية والتواصلية، إن لم تُستعمل في سبيل المعرفة السديدة والتوعية الرشيدة؟ فالمنابر الإعلاميّة الدينيّة، في غالبيّتها، تمارس التحريض باسم الحرص على الدين، وتسهم في نشر الجهل وتعميمه على العامّة.
يتناسى بعضهم أنّ عمر المسيحيّة ألفا سنة، وعمر الإسلام ألف وأربعمئة سنة، وهما يزدادان توسّعاً وانتشاراً. فأين الخطر من فيلم على الإيمان؟ وإذا كان بعضهم سيغيّر دينه، أو سيغادره، جرّاء مشاهدته لهذا الفيلم، تكون المشكلة في إيمان هذا البعض لا في الفيلم. وتعزيز الإيمان مهمّة رجال الدين عبر خطاب منفتح على العالم والعصر يقنع سامعيه بصوابيّة إيمانهم وعدم قدرة أي كان على زعزعته. التحدّيات كثيرة، لكنّ سياسة الحظر والمنع لا تليق بأهل الإيمان.
 

← العودة إلى مختارات