تحديات تبيّن نجاح الحكومة أو فشلها - مروان اسكندر (النهار)
يوم الثلثاء المنصرم استمعنا الى ثلاثة وزراء يناقشون كتاباً لوزير رابع سابق عنوانه "في حكومة لم تحكم". والوزراء الثلاثة الذين ناقشوا المحتوى والخلاصة من افضل من مارسوا مسؤولية الحكم ليكتشفوا عثرات اللاحكم والتحكم الاداري بالقرارات الرئيسية التي تطاول حياة المواطنين.
عندما كلف نجيب ميقاتي تأليف حكومة اعتبرنا التكليف في محله. وبالفعل شاهدنا انجازات للحكومة في مجالات كان الفشل المؤكد يبدو انه يخيم على القرارات فيها.
وحكومة الرئيس ميقاتي تضم كفايات من جميع الاتجاهات. فوزير السياحة نشيط وناجح، ووزير الصناعة مميز بنهجه ونجاحه الشخصي، ووزير التربية يحوز مؤهلات علمية وشخصية نادرة، كما وزير الاعلام، ولا شك في ان وزير الدولة مروان خير الدين وفر للحكومة ديناميكية فكرية واطلاعا جذريا على قضايا الاقتصاد والمال.
ولن نستمر في التقدير الايجابي لخصائص الوزراء وكفاياتهم، فالواقع ان المجموعة في اعضائها توحي بالخير للبنان واللبنانيين، لكن التناحر السياسي والتشبث أمران كادا يجهضان مبرر استمرار الحكومة.
لبنان يحتاج الى النمو بمعدل يراوح بين 6 و8 في المئة ولمدة سنوات كي تصير نسبة الدين الى الدخل القومي مقبولة وغير مثقلة على التوقعات المستقبلية. ولبنان لن يحقق النمو المطلوب، ما لم يوفر مناخ ثقة يبعث على الاستثمار في لبنان. ولبنان لن يحقق النمو ما لم يقدم على ترفيع منشآت البنية التحتية والخدمات العامة وتطويرها وتوسيعها. ولبنان لن يحقق النمو ما لم يتبنَّ انظمة ادارية حديثة توسع نطاق المعلوماتية في التعامل وتبعد الممارسات الانتقائية التي كثيراً ما ترتبط بتحقيق منافع شخصية لأصحاب التواقيع على معاملات قد تكون روتينية في غالب الاحيان.
بالطبع لن يتحقق كل ذلك في سنة او سنتين وربما عشر سنين، لكن بداية الطريق تتمثل في تبني مشاريع ملحة ذات منافع اقتصادية وبيئية وصحية وتأثير على اقتصاد البلد كلاً.
هنالك خمسة مداخل للنمو واستقطاب الاستثمار وتحقيق وفر على حساب ميزان المدفوعات وتحسين واردات الدولة يمكن ولوجها خلال الاشهر التسعة المتبقية من السنة، واذا لم تحصل المبادرات، فعلى الحكومة الرحيل:
- اطلاق مشروع انشاء مصفاتين حديثتين في الزهراني وطرابلس، على ان تشكل المنشآت الحالية القابلة للاستعمال، كالخزانات، والخطوط البحرية، والاراضي حصة القطاع العام في الرسملة، ومن ثم نستقطب نحو 4-5 مليارات دولار لانجاز المصفاتين بحيث توفر مجالات عمل بعد اكتمال الإنشاء ربما لـ 500 فني، وخلال اعمال الانشاء تتوافر فرص عمل للمتعهدين، واصحاب وسائل النقل ومصانع الاسمنت والكهرباء بعشرات الملايين من الدولارات.
وفي المحصلة تكون لدينا منشآت حديثة يحل انتاجها محل مستوردات من هنا وهنالك يستفيد منها اصحاب المصافي، وبذلك يتحقق وفر عل حساب ميزان المدفوعات لا يقل عن 600 مليون دولار سنوياً، اضافة الى 400 مليون دولار من الصادرات.
- البدء بتشغيل مطار رينيه معوض لاستقبال الرحلات العارضة والمستوردات جواً، بحيث يكون هنالك ضبط للمستوردات وحقوق الدولة وكلا الامرين مطوي الى حد بعيد في مطار بيروت الدولي، وتشغيل مطار في الشمال يساهم في إنعاش المنطقة التي تشكو من اسوأ مستوى فقر في لبنان، بقدر مساهمة مشروع انجاز مصفاة حديثة في طرابلس.
- وزارة الاتصالات وخدماتها من التردي الفاضح الى الانتاج المفيد والخدمات الموثوق بها، ولا بد من تفعيل الهيئة المشرفة على هذا القطاع التي باتت بمثابة الحبر على الورق مع انفراد الوزير المعني وعجزه حتى تاريخه عن احراز تقدم صغير وملحوظ على صعيد الخدمة، او التسعير، او الاعتمادية.
- انشاء الهيئة الناظمة لقطاع الطاقة وبدء تنفيذ برنامج لتقويم الكهرباء اعتماداً على لقيم الغاز وتاليا اختصار التكاليف التشغيلية وتكاليف الصيانة الى حد بعيد وتأمين التيار دون انقطاع، وهذا البرنامج يجب ان يتلازم ويتكامل مع عمليات التنقيب عن النفط والغاز وتوضيح استراتيجية لهذه العمليات بحيث يستطيع لبنان ان يضاهي قبرص على الاقل على صعيد توافر الكهرباء.
- برنامج تطوير المياه وتنقيتها وحفظها، وهذه السنة يتبين لنا كم هذا المورد الطبيعي مهم للبنان، لو كانت هنالك مشاريع للاستفادة من بعض الفيض، والرئيس ميقاتي يعلم، كما الرئيس بري، ان هنالك دراسات عن توافر المياه ومشاريع استثمارها منجزة منذ سنوات، لكن خطوات التنفيذ متأخرة، كما كان الوضع مع سد شبروح الذي لزم قبل 40 سنة من انجازه، وكما هو مشروع الاستفادة من مياه الليطاني.
ندرك بوضوح ان هذه البرامج لن تقوم بكامل مستوجباتها خلال تسعة اشهر، لكن الفترة كافية للبدء ببعض المشاريع، مثل تشغيل مطار رينيه معوض، والتعاقد على البحث والتنقيب عن النفط، وبالتأكيد تحسين شبكة الاتصالات وفاعليتها.
ويبقى ان نشير الى تحد يواجه القطاع الخاص، والمتمثل في مكب صيدا الذي تحوّل كارثة بيئية لاهل هذه المدينة الساحلية العريقة، والمسؤولية هنا على عاتق بلدية صيدا، ورئيس الوزراء الاسبق. والامر المثير للعجب ان معمل معالجة النفايات الذي انجز منذ فترة، كما معمل معالجة النفايات على كتف مدرج المطار البحري، من غير ان يبدأ العمل لتشغيل هذين المعملين اللذين وفر تكاليفهما اطراف معنيون بتحسين البيئة في لبنان، لكن جهوزيتهم لم يقابلها تحرك لبناني فعال.