اسطنبول- بيروت: قصة مدينتين - مازن سويد (النهار)
لم أستطع وأنا أصغي إلى الوزير التركي أن أصرف كل تفكيري إلى ما أستمع إليه عن مستقبل هذا "النمر" الصاعد. فقد كانت بيروت تخطفني، رغماً عني، لأجري المقارنات، وأتساءل بحسرة: متى ينعم الله على اللبنانيين بقيادة رؤيوية؟
عدت من اسطنبول بعد أن شاركت في مؤتمر مصرفي عربي- تركي افتتحه نائب رئيس الحكومة التركي والمسؤول الأول عن الملف الاقتصادي في تركيا علي باباكان. ومن يستمع إلى المسؤولين الأتراك، وبالأخص السيد باباكان يدرك أمرين أساسيين: الأول الأهمية القصوى المعطاة من قبل الحكومة التركية للملف الاقتصادي الذي يكاد يتفوق على كل ما عداه من ملفات
أخرى. والأمر الثاني هو النظرة الرؤيوية الواضحة والهادفة والجادة في آن واحد والتي يتم على اساسها التعاطي من قبل المسؤولين الأتراك مع الشأن الاقتصادي.
ولا يمكن المستمع أو القارئ اللبناني، خاصة إذا كان اقتصادياً، إلاّ أن يبدي الإعجاب الشديد بالنتائج التي حققتها التجربة التركية، وبالخيبة والمرارة والأسى لما آلت إليه أوضاعنا في لبنان خاصة تلك المتعلقة بالأوضاع الاقتصادية والاجتماعية والمالية المترافقة مع شعورنا بالإحباط في ما يتعلق بالنقاش بمحتواه ومستواه بين من أولاهم الشعب مسؤولية إدارة شؤونه العامة.
في الأرقام سجلت تركيا في العامين 2010 و2011 نمواً سنوياً جاوز معدله 8% فكان أعلى معدل في العالم بعد الصين، وبذلك يكون الاقتصاد التركي قد رسّخ مكانته بصفته الاقتصاد الأسرع نمواً في أوروبا والشرق الأوسط. أما في لبنان وفي المقابل وبعد أن تمّ تحقيق معدل نمو فاق 8.5% على مدى السنوات 2007 - 2010 تراجع هذا المعدل في العام 2011 ليحقق 1.5%، وهو معدل نمو يدخل لبنان فعلياً في حالة ركود وتباطؤ. هذا ولا يبدو أن الأوضاع العامة، ومستوى الأداء الحكومي، ومدى تلاؤم رؤية الحكومة مع هذه الأوضاع، سيمكن البلاد من تحقيق تحسن ملموس في هذا الخصوص.
يتحدث الوزير التركي عن القفزة النوعية التي حققتها مدينة اسطنبول كمركز وصل عالمي بعد أن أضحت شركة الطيران التركي تصل إلى معظم المدن العالمية مع خطة مفصلة لزيادة هذه الرحلات، تترافق مع خطط عديدة لتحديث البنى التحتية المتعلقة بقطاعات النقل الجوي والبري والبحري، سيما أن تركيا تسعى إلى شق قناة إضافية إلى مضيق البوسفور بهدف تعزيز قدراتها في قطاع النقل البحري، الأمر الذي يعطي صورة عن التفكير الرؤيوي للمسؤولين الأتراك واستعداداتهم لإعداد البلاد وللتلاؤم مع الحاجات المقبلة بعد 2020.
أما في لبنان، تصوروا أن همّ وزير السياحة تمحور لفترة طويلة حول عدم قدرته على تنظيم عمل سيارات الأجرة خارج مطار رفيق الحريري الدولي، وهي للمناسبة، أي سيارات الأجرة أو الشركات المشغلة لها، محسوبة على فريق آخر يشاركه أكثرية الحكم الحالي.
يتحدث المسؤول التركي بتفصيل عن دور تركيا الاستراتيجي كممر أساسي لنقل الطاقة ومصادرها من آسيا وقزوين إلى أوروبا والشرق الأوسط. أما في لبنان فتتلهى الحكومة في كيفية زيادة إنفاقها على أمل أن الثروة الغازية في مياهنا الإقليمية أصبحت قريبة المنال. هذا، بدلاً من ان تنكب على إنشاء هيئة إدارة واردات النفط، والمراسيم التطبيقية لقانون النفط والسعي الجاد لاستدراج العروض من شركات النفط العالمية، وبدء عمليات استخراج الغاز والنفط وهي كلها مسائل تحتاج إلى فترة لا تقل عن عشر سنوات حتى يستطيع لبنان أن يحصل على أول دولار أميركي من عائدات هذا الغاز إذا ثبت وجوده بكميات لا يمكن التأكد من حجمها إلاّ بعد القيام بأعمال الحفر.
أما في ملف الكهرباء، فحدّث ولا حرج: فهذا القطاع واقع تحت سيطرة وزراء فريق "الإصلاح والتغيير" منذ العام 2008 أي على مدى فترة اربع سنوات كانت كافية لبناء معمل إنتاج بقدرة 700 ميغاواط يسد قسماً كبيراً من العجز الحالي في الإنتاج. في حين أن ما حصل هو العكس إذ زاد العجز حتى أصبح يفوق 1000 ميغاواط في ساعات الطلب القصوى، وغرق معظم مناطق لبنان في العتمة وانتفخ الدعم من المال العام المقدم لمؤسسة كهرباء لبنان بحوالي 6 مليارات دولار أميركي منذ أن تولى هذا الفريق إدارة ملف الكهرباء، وهو الفريق الذي كان يرفض إجراء الإصلاحات والصيانة لمعملي الذوق والجية، والذي كان ولا يزال مصراً على عدم اللجوء إلى التمويل الميسر عبر الصناديق العربية والدولية بل الاعتماد على التمويل من الخزينة والذي يؤمن له بطريقة أو بأخرى أسلوب التعاقد الذي لا يلزمه بالتقيد بالشروط التنافسية والشفافية فيه في عملية التجهيز.
في مداخلته، كان السيد باباكان يردد تعبير العام 2020 وهو العام الذي حددته القيادة التركية لدخول ترتيب الدول ذات الاقتصادات العشرة الكبرى في العالم ولتحقيق ناتج محلي للفرد يفوق 20 ألف دولار أميركي أي ضعف المعدل الحالي.
في لبنان يغيب تماماً التفكير والإعداد حتى لسنة 2013 عن أي نقاش اقتصادي. بل أن النقاش غائب حتى بالنسبة للعام الحالي 2012. فالحكومة لا تنوي تقديم موازنة عن هذه السنة وعقلها التخطيطي ذو مفعول رجعي، وهو منهمك في التخطيط الأهم: تدمير المعارضة في معركة الحسم بين عامي 2006 - 2011 ولا بأس من أجل ذلك أن يبقى الصرف قائماً على أساس موازنة العام 2005 وعلى القاعدة الاثني عشرية وان كانت حاجات العام 2012، لا تشبه حاجات 2005، فذلك أفضل من التفكير في صيغة موازنة تفرض التقدير الواقعي للواردات المرتقبة.
يشكل العام 2005 إذاً نقطة الارتكاز في النقاش الاقتصادي الدائر في لبنان بينما يشكل العام 2020 نقطة الارتكاز في النقاش الاقتصادي الدائر في تركيا وبذلك يفصل 15 عاماً (بتقويم القرن الحادي والعشرين) بين عقلي بلدين يتلهى أولهما بالنظر إلى الخلف وينشغل ثانيهما بالتخطيط للمستقبل.
لم أستطع وأنا أصغي إلى الوزير التركي أن أصرف كل تفكيري إلى ما أستمع إليه عن مستقبل هذا "النمر" الصاعد. فقد كانت بيروت تخطفني، رغماً عني، لأجري المقارنات، وأتساءل بحسرة: متى ينعم الله على اللبنانيين بقيادة رؤيوية تفكر بلبنان عام 2012 وتخطط للبنان عام 2013. هذه هي حدود طموحنا!