تاريخ ممزّق وكتاب موحّد - سمير عطالله (النهار)
وضع الفرنسيون كتاباً موحّداً عن الثورة. وبعد معاناة وتردد ومكابرة، وضعوا كتاباً واحداً عن حرب الجزائر، يمهد له كبار زعمائهم، من ديغول الى ميتران، وكبار كتّابهم، من سارتر الى كامو. وقرأ الاميركيون كتاباً واحداً عن حربهم الأهلية، ويقرأ البريطانيون كتباً واحدة عن صراعاتهم التاريخية التي قد تنتهي الآن بانفصال اسكوتلندا. والامثلة بلا نهاية، وخصوصا سويسرا التي طالما حاول بعضنا التشبه بها، أو الحلم بنموذجها.
القضية المثارة ابداً حول "كتاب التاريخ الموحد" ليست مضحكة ولا مبكية. انها تعبير، في جملة تعبيرات ومظاهر اخرى، عن عتي الجهل. وافدح علامات الجهل العند والعنت. فكيف يمكن وضع كتاب تاريخ "موحّد" لتاريخ غير موحّد على الاطلاق. لنزعات غير موحّدة. لرؤية تاريخية متعادية متضاربة، وفي أبسط الاحوال وأندرها، متهادنة. ولماذا الاصرار على توحيد الكتاب ما دامت صفحاته متعاكسة وفصوله متخاصمة؟
توحيد كتاب التاريخ يعني القيام بأكبر عملية تزوير للتاريخ. والمقصود هنا ليس التاريخ البعيد، الذي لم يبق لنا منه سوى الآثار والنقوش،، بل التاريخ المعاصر الذي تملأ وثائقه خزائن تركيا العثمانية وبريطانيا وفرنسا وأميركا وروسيا. فلنقل منذ قيام لبنان في شكله الحالي.
كان فيصل الاول يصر على ان تبقى بيروت بوابة سورية، وهو في المناسبة من اطلق اسم "ساحة الشهداء" على ساحة الاسلاك الحالية، فمن كان يرفض ايضا ان تكون بيروت عاصمة لبنان لئلا تلغي طابعه المسيحي؟ كتب جورج فياض الى ألفرد سرسق محذرا من "المصالح المتضاربة بين مكوناته" ولذا يجب ابقاء حدوده ضمن المناطق المسيحية، وجعل بيروت "مدينة حرة".
في تلك المدينة وقف المسيحيون يرحبون بالمنقذ الفرنسي التاريخي والمسلمون يحلمون بدخول الوحدة العربية. واما قصر سرسق الذي كان يستقبل الاتراك ويقيم المآدب لجمال باشا، فقد تحول الى الاحتفاء بالفرنسيين. وبدورها تحولت "السرايا الكبيرة" مقرا للمفوضية الفرنسية العليا "لشؤون دول (دولتي) المشرق" اي سوريا ولبنان.
انقسم اللبنانيون، دروزاً وموارنة، حول بلدهم الصغير. ثم مسيحيين ومسلمين حول "لبنان الكبير". وتقاتلوا في سبيلهما، وتقاتلوا حول كل قوة خارجية، بصرف النظر عن مدى قوتها، من فرنسا وانكلترا، الى مصر الناصرية، الى المقاومة الفلسطينية، الى سوريا وايران، من غير ان ننسى النفوذ الاميركي الذي اعقب الاستقلال، او ان نلغي الدور الاسرائيلي. ألم يقل مناحيم بيغن ان "اسرائيل لن تسمح بإبادة المسيحيين" وكأنه يتحدث عن نوع مهدد بالانقراض من الافيال، بعجرفة لم ينافسه فيها سوى أرييل شارون؟
كيف يمكن ان يكون لنا كتاب تاريخ "موحّد"؟ ولماذا؟
كانت هناك محاولات، ربما كان اقربها الى الموضوعية التاريخية مؤلفات كمال الصليبي وفواز طرابلسي و"بيروت" سمير قصير، في المرحلة الحديثة، وقبلهم جواد بولس، بالمعنى "التأريخي" المنهجي وليس من باب كتابة التاريخ الذي كتبه كثيرون عن مراحل مختلفة منه.
مَن في نهاية الأمر يكتب للتاريخ؟ عندما أرادت أميركا المطلة حديثاً على المنطقة ان تعلّم تاريخنا لأهلها، أرسلت الدكتور فيليب حتي على رأس فريق من 30 باحثاً. معظم هؤلاء كانوا من اختصاصيي علم التأريخ. والذين تولوا في ما بعد نقل "تواريخ" حتي الى العربية، كانوا أيضاً من عمالقة الجامعة الاميركية. فلنتمهل قبل ان نتفق على "كتاب التاريخ الموحد"، وهو عنوان هزلي ومناقض لمفهوم التاريخ، الذي يمكن ان يكون كاذبا ولكن ليس موحداً. يقول جورج برنارد شو في "تلامذة الشيطان": دعك من التاريخ، فهو يعرف جيدا كيف يكذب! إن تاريخنا غير الموحد موجود في مئات الأعمال التي وضعها اجانب، قليلها موضوعي والكثير منها خضع لعواطف ومشاعر ومصالح واضعيها. مَن من هؤلاء سوف يعتمد مؤلفو الكتاب الجديد؟ وبأي معايير؟ وعلى من سوف يطرح الكتاب للنقاش والتداول؟ على السياسيين والزعماء ام على الاكاديميين والخبراء؟ وهل المطلوب ان نعلم التلاميذ أولاً في كتاب واحد ام في وطن واحد؟
تاريخ الدول والبلدان ليس سيرة ذاتية. فمن بدأ النهضة النسائية في لبنان مثلا؟ المرأة المسيحية السافرة، ام عنبرة سلام التي قالت لفيصل الأول في لندن: لماذا تستحق المرأة البريطانية السفور والمرأة العربية الأسر؟ صحيح انها لم تُلقِ سوى محاضرة واحدة في هذا الموضوع في الجامعة الاميركية، لكن الصحيح ايضا ان ذلك كان في العشرينات، وان المحاضِرة كانت ابنة سليم سلام. سوف تمنعها طالبات الجامعة اليوم من دخول الحرم، وليس فقط من الوقوف خلف المنبر.
رجوت ابني عندما دخل الجامعة الاميركية ان يتجنب الاحزاب. أجاب: سوف أفعل من أجلك. قلت: في هذه الحال، افعل ما تشاء، ما أريد هو ألا تندم. هذا بلد لا تعرفه جيداً. بلد يتحول بأسرع من الفصول، وحتى من الأيام. ولا أريد لك أن تندم ولا أن تصدمك الخيبات. الحريات التي تمارسها الآن في الحرم الجامعي سوف تتحوّل غداً الى عبوديات واستزلامات. وفّر على نفسك هذا الألم المحتوم.
مهزلة. شعب غير متفق على الكهرباء والموازنة يصر على كتاب تاريخ موحد. هل كان طانيوس شاهين صاحب عامية او "كومونة"، كما يقول التاريخ المدرسي؟ ام كان مبتزاً وأداة اقطاعية كما يقول كمال الصليبي؟ كيف نوحد تاريخ الحرب اللبنانية، اذا كان كثيرون رأوا في ياسر عرفات بطلا، ورأى فيه الموارنة خطرا، ورأت فيه سوريا "ظاهرة عرفاتية"؟ أين كانت أشرس المعارك في تلك الحرب واكثرها حقدا ودما: بين الاعداء ام بين الرفاق، شرقية وغربية، "الصفرا"، و"6 شباط" و"حرب الإلغاء" والكثير مما مرّ بلا أسماء ولا عناوين؟
يصرون على كتاب موحد عن الماضي، اولئك الذين يرفضون الجلوس الى طاولة حوار حول الحاضر. التاريخ ليس تمنيات ولا مساحيق. إما أن يكون مجموعة حقائق موثقة، وإما أن يكون مثل الحاضر، مهرجان تزوير مشتركا. واذا كان كتاب التاريخ سوف يتسبب بصراع آخر وعبث آخر وكره جديد، فامضوا في العيش من دونه. نحن مختلفون على الجغرافيا، على الحدود، على شبعا ومزارعها، التي يبدو انها معلقة الآن في الذاكرة، فكيف يمكن ان نتفق على توحيد التاريخ؟ يُنصح اولا، بتوحيد الله والوطن ومفهوم القانون. كما ينصح بالاتفاق على تعيين موظف من دون اعلان حرب. كما ينصح بتوحيد المصطلحات في اللغة السياسية، وإلغاء ما هبط منها، وما حطّ، وما فتت كل أمل في وحدة الماضي والمستقبل.
لا أحد يمكن ان يحصر عدد الكتب والبحوث والروايات والمسرحيات والافلام عن تاريخ أوروبا وأميركا. ما من مؤرخ حاول ان يحذف ان 12 امبراطوراً رومانياً كانوا شاذين إلا كلوديوس. لم يلغ تاريخ آل بورجيا من تاريخ ايطاليا. لم يتجاوز أحد محاكم التفتيش القبيحة في اسبانيا. لم يزوّر اي أوروبي انتصارات صلاح الدين أو يخفيها.
يكتب التاريخ بهدف اثباته لا توحيده. والمثل يقول: كل اموال العالم لا تشتري لك التاريخ الذي تتمنى. لأن التاريخ حقائق، سواء كانت تثير الندم او تدعو الى الاعتزاز، وتاريخ البلدان ليس مثل تاريخ العائلات اللبنانية يمكن تزويقه وتعليق أي شيء على شجرته، غاية الزينة. أمامنا قضايا أكثر الحاحاً وخطورة وعجلة من سوءات الماضي. أمامنا مخاطر الحاضر وصغائر الأيام. لسنا في حاجة إلى خلاف آخر. هناك منها ما يكفي مئة بلد. وألف كتاب.