إلى المحتوى
حركة التجدد الديمقراطي
مختارات/

بابا عمرو والمسرح الهزليّ - الأب جورج مسوح (النهار)

مسرحيّتان هزليّتان اتّخذتا مظهر اعتصامين شهدهما وسط العاصمة نهار الأحد الفائت. ولسنا هنا في معرض التقليل من شأن المسرح الهزليّ، فثمّة مسرحيّات هزليّة اعتبرها النقّاد ومؤرخّو الأدب من روائع الأدب العالميّ، أما واضعوها فلا خلاف في كونهم من كبار الأدباء والكتّاب على مرّ العصور. قطعاً، المسرحيّتان البيروتيّتان ليستا تدخلان في هذا الباب.
الاعتصامان دعت إلى أوّلهما جهة دينيّة سلفيّة ضدّ النظام السوريّ، فيما دعت إلى ثانيهما جهة حزبيّة دعماً للنظام نفسه. الاعتصام الأوّل قام على مبدأ العصبيّة الدينيّة "أنصر أخاك ظالمـاً أم مظلوماً"، والاعتصام الثاني قام على مبدأ العصبيّة الحزبيّة "أنصر أخاك ظالمـًا أم مظلوماً". كلاهما انتهج المنهاج ذاته، فلم نلاحظ فرقاً جوهرياً بينهما. العصبيّة العمياء، التي بلغت حدّ التعصّب، هي التي كانت المحرّك الأساس للتحشيد وإطلاق الهتافات والشعارات والشتائم المتبادلة.
كما يسعنا القول إن كل اعتصام ذي لون واحد، ديني أو مذهبي أو طائفي أو حزبي، هو اعتصام لا دافع له سوى التعصّب لأهله. في هذه الحال يكون اعتصاماً فئوياً لا يعني سوى الذين يلبّون النداء إليه. الاعتصام الأول كان دافعه التضامن المذهبي، وليس غير ذلك، مع ضحايا ينتمون إلى المذهب عينه. فلو كان الضحايا من غير مذهب المعتصمين هل كان هؤلاء ليعتصمون دفاعًا عنهم؟ وهذا ما أفقد الضحايا تضامناً أوسع فيما لو كان الداعي إلى الاعتصام هيئة مدنية أو أهلية، لا سياسية ولا حزبية ولا دينية.
ويسعنا القول أيضاً أن الاعتصام الذي دعا إليه حزب يزعم أنّه علماني لم يكن علمانياً ولا مدنياً ولا حضارياً على الإطلاق. فالمشاهد التي رأيناها واللافتات التي رفعها المعتصمون ليس فيها من العلمانيّة سوى مسخها. لم نسمع سوى التهديدات والشتائم وخطاب متخلّف عن القوميّة وبلغة خشبيّة سئمها المواطنون من كثرة تردادها ببغائياً بعد تفريغها من مضامينها ومدلولاتها. هذه ليست العلمانية التي نشتهيها لأوطاننا، العلمانيّة التي لا تقلّ استبداداً عن استبداديّات القرون الوسطى.
الاعتصامان سادهما الابتذال، حضوراً وخطابة وتصريحات. سادهما الرقص على أشلاء الضحايا التي سقطت في بابا عمرو، وعلى ركام منازلها التي دكّتها المدافع والراجمات. فمقابل مَن يريد استغلال دماء الضحايا البريئة التي سقطت ثمنًا لصراع قد لا تكون تريده، ثمّة مَن يهلّل ويبتهج لانتصار نهج القمع بالقوّة ونهج السلطة الغاشمة التي لا يهمّها سوى الحفاظ على جبروتها. قد لا يعنيهما أسماء الضحايا ووجوههم بقدر ما يستجديان كلّ منهما الدعاية والتجييش لعصبيّته القبليّة.
لا شكّ في أنّ كلاًّ من الاعتصامين قد أساء إلى قضيّته أكثر ممّا أحسن إليها. الخطابات لم تطمئن المتوجّسين من المستقبل الغامض المكفهرّ بالغيوم السوداء. لا يكفي الكلام المعسول والإنشائيّ كي تأمن القلوب لصروف الدهر وخطوبه وتقلبّاته في أزمنة التغيير. الناس يريدون أفعالاً، لا أقوالاً بلاغيّة من مثل أنّ المسلمين هم في حاجة إلى أن يحميهم المسيحيّون. الناس يريدون دولة المواطنة الحقّ التي تحمي المسلمين والمسيحيّين معاً. فلا فضل لأحد على أحد، ولا منّة من أحد على أحد. متى سينقضي زمن الذمّة والحماية إلى الأبد؟
أهل بابا عمرو كانوا يستحقّون أكثر من هاتين المسرحيّتين الهزليّتين. كانوا يستحقون شموعًا وصلوات مشتركة يرفعها عاليًا كلّ بشريّ ينطلق من إنسانيّته، بصرف النظر عن انتمائه الدينيّ أو المذهبيّ أو الحزبيّ.
 

← العودة إلى مختارات