زواج ماروني - فيليب سكاف (النهار)
يُمكن الجزم بأنّ أحد أهمّ أسباب الطلاق هو... الزواج، فكيف إذا تمّ خطيفة على رغم أنف التاريخ، وخوفاً من قمع جغرافي، حضاري قومي وديني؟ العريس كان عند امّه الحنون، والعروس موعودة بابن عمّها. لكنّ بكركي أرادتها زواجاً ما بين الشرق والغرب، و"جيزة" مارونيّة!
يومذاك، الموارنة عملوا رجالاً، وشدّوا الجزمة عالشروال، وحطوا إجرهم بالأرض وقالوا كلمتهم: لبنان الكبير. ثمّ ضرب السنّة رجلهم بالأرض، وأعادوا الإعتبار إلى الغمباز في الطائف، وقالوا كلمتهم: لبنان أكبر. ولكن بعد شرعيّة الجمهوريّة الأولى الماضية، وشرعيّة جمهوريّة الطائف الحاليّة، يرتسم مشروع شرعيّة جديدة. فالبابا والماما أسّسا العائلة اللبنانيّة في منزل ورثته كثيرون. فبينما كان الملاّكة الصّغار، كالرّوم والدّروز وغيرهم، تارة يختبئون وراء شروال البابا أو غمبازه، وطوراً يتعلقون بتنورة الماما، غابت عن الجميع جزمة وريث تمرّست في الدّبكة في أرض الجنوب، صار طول صاحبها مترين، وعضلاته رطلين، على جنبه فردان، وعلى ظهره صاروخان. ضرب رجله بالأرض، فصارت حلقة الدّبكة في الزّواج مثلثة البعد. جزمة يُسمَع صداها من واشنطن إلى اسطنبول، وأخرى يُسمَع وقعها من كراكاس إلى بلاد فارس. وأيضاً في تلّ أبيب، وما بعدها وما بعد بعدها. والثالثة تضرب وتضرب ولا يُردّد صداها إلا أديرة الرّهبان، وصولاً إلى أروقة الفاتيكان.
ونحن؟ حمَلة الجوازات المدموغة عليها أرزة هي شعار لبلد يُصوّرونه لنا وطن شركة ومحبّة ما بين مسلم ومسيحي... وهو موطن جزمات لامعات ملمّعات، منها المحليات، وكم مرّ عليها ولا يزال، فردات من مختلف الجنسيّات. نحن، إمّا أن نترك المنزل، أو أن نرضى بالتعايش مع الجزمات الثلاث، في منزل لا سياج له، تحت كلّ سرير فيه مسلـّح نائم ينتظر السّاعة، وفي كلّ خزانة من كلّ غرفة يختبئ سفير أو عميل. وفي مطبخه طهاة جهنّم. أيّ بابا وأيّة ماما وأيّة جيزة هذه؟ نحن شعب وُلد في "لحظة تخلـّي" تاريخيّة. أقحمنا الدّين في الدّولة، ومعه الدّجل والنفاق والرّياء. يوميّاتنا تحايل ومشاريع عقيمة، لإصلاح ما أفسده سبعون عاماً من الاستحالة. سبعون عاماً، والكذبة مستمرّة بين البابا والماما، لأن عمر دوام هذا الزواج، كما الأزهار التي أكثر ما يدوم منها... الاصطناعي! نحن نريد اليوم زواجاً جديداً، لكننا نريده، هذه المرّة، زواجاً مدنيّاً، في دولة مدنيّة تجمع ما بين كلّ الأديان، ودينها واحد: لبنان.