إلى المحتوى
حركة التجدد الديمقراطي
مختارات/

2012: من عصر التنوير الى حزب "النور" - سمير عطاالله (النهار)

عندما انهار السوفيات ومعهم الشيوعية الاوروبية، كتب فرنسيس فوكوياما أن التاريخ قد انتهى: لم تبق سوى القوة الأميركية، أو الرأسمالية. كان ذلك تسرعاً أرعن، حاول طويلاً تبريره في ما بعد. اليوم، بعد 20 عاماً، الرأسمالية مريضة متهاوية في كل مكان، إلا عند الشيوعيين في الصين، وعند الفراو ميركل في برلين. عالم مليء بالقلق والفقر، محتجون يحتلون "وول ستريت" منذ مئة يوم، وألوف المتظاهرين يهتفون ضد فلاديمير بوتين في روسيا، والقاهرة تحترق وتُرشق كل يوم، ومركز الرهبة في دمشق يتفجر، وعراق ما بعد الاحتلال يعوم تائهاً ما بين النهرين. وكلنا في الهم شرق.
فلنقرأ جيداً نتائج انتخابات مصر، كي لا نقرأ في الكف ولا نضرب في الودع: الخاسر الأكبر هو حزب الوفد، حزب رافدي مصر، المسلمين والقبط وبكلام أوضح، الحزب الوطني المشترك الوحيد. وفي العراق طرد نوري المالكي شركاءه السنّة من الحكم، وانسحب إياد علاوي، ممثل التوافقية والشركة.
ولا تزال الشعوب العربية تنزلق، ليس "نحو" الفتنة، وإنما فيها.
الخاسر الأول في مصر، وفي سائر العالم العربي، هو حزب الوفد، برمزيته التاريخية، والفائز المفاجئ ليس "الاخوان" الذين حصدوا برلمان جمال عبد الناصر، بل حزب "النور"، الذي يرى في "الاخوان" هراطقة وحداثيين وخارجين على الصراط المستقيم.
انتقلت أوروبا (ليست مثالنا أبداً) من العصور الأولى، الى الوسطى، الى النهضة، الى الاصلاح، الى "الباروك"، الى التنوير. مرّ على مصر (والعرب) قرن من عصر النهضة، والآن ندخل عصر "النور" ولم ينته التاريخ، بل هو يحاول البدء من جديد. حاول الخديويون ان يجعلوا مصر أوروبا أخرى: الأوبرا، والقاهرة بهندسة باريسية، والاسكندرية الملوّنة بجنسيات وثقافات المتوسط، والقناة وما حولها من مرافئ. وحاول عبد الناصر ان يجعلها ملتقى القوميات ومقر الاشتراكية الدولية. سوف يتعين عليها الآن ان تتعلّم كيف توافق ما بين طرائق "الأخوان" وطرائق حزب "النور" في الحياة.
ولكن يجب ألا ننسى أيضاً، أن هذا خيار الناس. وأنهم اتخذوه في أنزه انتخابات منذ ما قبل دخول العرب العصر الرقمي المعروف بالتسعي، أي 99,999%. كان تروتسكي يقول، إن هذه طبائع الآسيويين، أي التعلق بفكرة الاستبداد والتعلق بالالغائيين الذين يرفضون أي وجود للآخر. لكن الآسيوي ستالين قتل الرجل، قبل أن يشهد ذروة الفاشية الأوروبية، أو قبل صعود الماكارثية في أميركا. الاستبداد ليس ظاهرة آسيوية، على رغم هولاكو وجنكيز خان وأخوانهما.
مقلق العالم العربي، اشياء تبدأ ولا تنتهي: ليبيا، مصر، سوريا، العراق، اليمن، البحرين، الاردن. واعتذر من الذين يعاتبون، بأنني متشائم، فليس من نور باد إلاّ جماعة " النور" في مصر. قال سائق عمومي مختصراً، بلغته، حال الأمة: "شو هيدي؟ كلو مروكب أريير". الجميع على السرعة الخلفية. سيارة تعطلت فيها حركة السرعات الأمامية: 40% من سكان العراق لا يقرأون، و50% عاطلون عن العمل. هذا أحد أغنى بلدان الأرض، نفطاً، وماء، وخصباً، ودجلة والفرات وحضارات العالم.
لكنه أيضاً، منذ 1958، يتنقل من الحكم الشيوعي الى الناصري الى البعثي الى حزب الدعوة. وطوال فترة كانت وزارة العلوم في يد حسين كامل المجيد صهر صدام حسين، وكان الأمن في يد أخويه، وطبان وبرزان. "ليتني قدمت لحياتي"، تقول الآية. حزب "النور" في مصر، و"الدعوة" في العراق، وأحزاب المسيحيين في الجمهورية اللبنانية تبحث في انتخابات يقترع فيها المسيحي لابناء مذهبه.
ليست سيارة "مروكبة أريير" بل هو القطار، قطار الشرق السريع: بدل ان ينتهي في اسطنبول كما في روايات أغاتا كريستي، صار يبدأ فيها، بكامل بهرجته وكمساريته والمنادين على ركابه.
أمضيت العام الماضي ستة أشهر في نيويورك، لم أصادف موظفاً أميركياً في الفندق. ولم أصادف سائقاً أميركياً. وكنت اسمع تلاوة القرآن عالياً من عربات البائعين المصريين في "فيفث أفنيو". وأشتري العصير من عند الكوريين. والكستناء من الباكستانيين. والهواتف من أهل بنت جبيل. واتناول سمك السلطان ابرهيم عند الخواجا خريستو اليوناني.
هذه أيضاً صورة باريس ولندن وبرشلونة وكولونيا وبرلين. لم يعد هذا عالم الزيت والماء. إلا هذه البقعة من العالم، فهي تزداد تفتتاً وتفككاً، بسبب رفضها للآخر، وافتقارها الى العدالة والانصاف، وحصانتها ضد التقدم والعلوم والتنمية والعناية ببسطائها بدل التكبّر عليهم والتعالي على أوضاعهم والاصرار على ابقائهم جاهلين وفقراء لكي يسهل استعبادهم واستقطاعهم كما كان يقول كمال الصليبي(1).
منذ ان اسقط بعض الملكيات لم يعد الرؤساء الجمهوريون يذهبون إلاّ خلعاً أو قتلاً أو موتاً. لم تدم امامة في اليمن بقدر ما دامت جمهورية علي عبدالله صالح واخواله وابنائه. كانت الجغرافيا والتاريخ والمنطق، تفرض ان يتطلع جمال عبد الناصر وهو في ذروة عزّه، الى السودان (وادي النيل) وليبيا، وادي النفط، بدل ذلك ارسل جيشه يقاتل في جبال اليمن وفقرها الحجري. وفي النهاية تركت مصر من القتلى في اليمن أكثر مما تركت من الشهداء في فلسطين. وخاض العرب في ما بينهم من الحروب المادية والعسكرية والدموية مئة ضعف ما خاضوه ضد اسرائيل. وموّل وسلح قاذف ليبيا كل حرب عرضت عليه، من السودان الى لبنان الى الحروب الأهلية الفلسطينية. طفق صدام حسين يحارب ايران والكويت في طريقه الى السعودية والإمارات. وخاض ياسر عرفات حرباً في الاردن ولبنان والكويت بحجة فلسطين، كانت تونس ترتعد من ليبيا والجزائر. والجزائر تشن حرباً على المغرب وتنتزع منه الصحراء، والمغرب يقاطع الجزائر ويحاور اسرائيل. ودخل العرب – جميعاً - في صراع مع مصر بسبب كمب ديفيد ودخلوا مدريد من الباب الذي دخل منه اسحق شامير، رجل الهاغانا، نصف قرن من الاخفاق والخسارة والهزيمة وأقصى درجات القمع. كان ممنوعاً في العراق رمي الصحف لأن عليها صورة الرئيس، وليس لأن فيها آيات من القرآن. وكان تأليه الرؤساء عملاً يومياً، يديره في الغالب، رجال عديمو المخيلة، ينسخون عن الألمانية والروسية، من دون إي المام بهما.
فقد العربي خلال نصف القرن الماضي حريته وكرامته ورغيفه، لكن الكارثة انه فقد أي استعداد لتصديق ما يسمع. كان عليه أن يخسر الحروب وأن يسمي قادته صلاح الدين. وان يُحرم رغيفه ويتغنى بالنجاح الاقتصادي. ومما لا ينسى في هذا الباب لقاء تلفزيوني على قناة "المستقبل"، في سنواتها الأولى، مع عبد الحليم خدام، جُمع له يومها عدد من الزملاء. وطرح الزميل جميل مروة سؤالاً سياسياً فقاطعه خدام قائلاً: "لا تنسَ النجاح الاقتصادي الذي حققناه". حقاً كيف له ان ينسى؟
تبلد العربي على العيش من دون حقائق، وبلا أرقام، إلا أرقام الفوز الرئاسي. لم يعرف مرّة أرقام المداخيل الحقيقية. لم يبلغوه مرة أرقام النمو والبطالة والتضخم. وهي غير مهمة في أي حال. كان العراق يطبع ورقة المليون دينار (أقل من دولار) وليبيا تخفض الدينار 50% كلما رفعت الرواتب. هل تعرف بلداناً اغنى منهما؟ كان نجل صاحب الجماهيرية الاشتراكية الشعبية العظمى، سيف، يصل الى سان تروبيه في أكثر اليخوت فخامة. كوريا الشمالية أيضاً تسمي نفسها "الجمهورية الشعبية الديموقراطية" من الأب الى الأبن الى الحفيد المبجل.
بين موت فاسلاف هافل في براغ، وكيم جونغ – ايل في بيونغ يانغ، يوم واحد، وجنة وجحيم. عالم الموت وعالم الحياة. دنيا العدم المخفورة بالركوع لرجل واحد، مشكوك في صحته، ودنيا الحرية التي سمي أول ربيع سياسي على اسمها. لم يفرض هافل مسرحياته أو خطبه على المنهاج الدراسي، بل كان يتصرف دوماً بخجل من نفسه، معتذراً بأنه لا يستحق المنصب، ويكرر نفسه في الخطب التي يكتبها. جاء كبار أهل العالم يودعون صاحب الابتسامة الطفولية "العفريتة"، فيما انتخب جنرالات بيونغ يانغ، في أداء مسرحي باهت، مثل ذلك العالم الآسيوي المغلق. يغني الشمال للقائد المبجل في بلد تضربه المجاعات الدائمة، فيما تصير كوريا الجنوبية صاحبة المرتبة الاقتصادية الثانية عشرة في العالم.
"العالم ليس عقلاً"، قال عبدالله القصيمي، الذي هو أيضاً صاحب "العرب ظاهرة صوتية"، نحن نحصد ما حرثنا، او ما قبلنا، او ما ارتضينا. او ما هلّلنا. لقد صفقنا للهزائم، وسخّفنا الاحرار، وأمضينا العمر نبحث عن طريقة نخبئ فيها الجريدة التي تحمل صورة الرئيس.

 

← العودة إلى مختارات