الانفصالية والاتحادية المارونيتان: "قواعد اللعبة" الجديدة - جهاد الزين (النهار)
مرة أخرى قد لا يكون السجال مهما الآن مع موقف القيادات المارونية من بكركي، لأن الأهم هو ان نفهم لماذا يصدر هكذا خطاب موحد عن قوى العديد منها "أخوة أعداء"!
يعبِّر الموقف العريض للقيادات المارونية بتبني مشروع انتخاب كل طائفة لنوابها عن اتجاهين انفصالي و"اتحادي" معا في لبنان والمنطقة. ولن أكون معنيا هنا بما يمكن ان يتحول الى اضاعة وقت للقراء باشغالهم في بحث قابلية المشروع للتطبيق او لعدمه لأن المهم في الحدث المتمثل بهذا النوع من الموافقة السياسية المارونية هو لماذا اتفق "هؤلاء الذين يكرهون بعضهم اكثر بكثير مما يكرهوننا" كما قلت مازحا على "الفايسبوك" لـ"فراند" يساري "سابق" درزي الطائفة مقيم في باريس ومصدوم من الموقف... محاولا التخفيف على أعصاب خطابه السياسي! لأنني شخصيا - وبتواضع- لست مصدوما وان كنت مفاجَأً لا بالموقف بل بسهولة "الاجماع" حوله.
في الكلام الجاد بل الجاد جدا أن اعلان بكركي هو شكل متجدد داخليا لتململ ماروني سياسي قديم بدأ منذ العام 1975 عندما قرر زعماء الموارنة "تعليق" الدولة اللبنانية التي أسسوها ردا على ما اعتبروه اخلال المسلمين اللبنانيين سنة ودروزا وشيعة بـ"الميثاق الوطني" القائم منذ 1943 عبر تأييدهم للظاهرة الفلسطينية المسلحة المضادة للدولة اللبنانية اعتبارا من العام 1968-1969. هذا المشروع "الانفصالي" سقط بفعل النظام الدولي الذي أرغم "المزاج العام" المسيحي عام 1990 على اعادة الانخراط في تسوية توحيدية غير مقنعة (أعتذر عن التعميم الضروري الذي "يظلم" حالات فردية او محدودة). لكن الامور تفاقمت في العمق في ظل "سلم أهلي" حرسته الدبابات السورية حتى عام 2005 وشهد تكريس انتقال لبنان من اولوية ثنائية مسيحية اسلامية ذات غلبة - وليس هيمنة - مسيحية الى سيطرة ثنائية سنية شيعية متواصلة بديناميكياتها الامنية والمالية والشعبية داخل وخارج الدولة بما فيها الانتخابية الى اليوم. هذا على الرغم من انتقال طرفيها السني الشيعي الى مواجهة ضروس مع بعضهما البعض في ظل حرب اقليمية مفتوحة بين مرجعيهما السعودي الغربي والايراني السوري. بهذا انتقلت الثنائية السنية الشيعية من السيطرة بالتوافق قبل 2005 الى السيطرة بالاختلاف بعده.
هكذا هو المعنى الاول "الداخلي" للموقف الماروني العريض: اقتناص لحظة منفجرة في المنطقة لاعادة توجيه رسالة اعتراض قديمة بصيغة جديدة.
اما المعنى الثاني – ويا لعمق المعنى الثاني في الاوصال غير المنظورة، في المجاري الباطنية للتحولات، فهو المعنى الاقليمي، سمِّه العربي، أو المشرقي اذا شئت. أزعم أنه جزء من ارتدادات الزلزال السوري الذي هو امتداد للزلزال العربي لاسيما - مسيحيا وفاتيكانيا – ابتداء بمصر.
لهذا فإن ما دفع الى هذا التجديد الصارخ للاعتراض الماروني العريض هو ما فرضته تراكمات الاحداث ثم انفجارها من انتقال ما سبق ان أسميته من أولوية الدفاع عن اللبنانية السياسية التي اسستها وكانت تعتبر نفسها ولا تزال حاميتها منذ 1920 وضد "التوسعية السورية" في مختلف عهودها حتى سيطرة دمشق المباشرة على بيروت في عهد حافظ الاسد...الى أولوية قيادة الدفاع عن المسيحية الشرقية التي هي دائما في مقدمتها وانما سابقا باولوية لبنانية. الآن بأولوية دون لبنانية وفوق لبنانية. لبنانية اخرى أقل "اسلامية"، اكثر مسيحية - اذا جاز التعبير - داخل لبنان و في مشرقه. وهذا هو المعنى الاكثر عمقاً لـ"أرثوذكسية" المشروع تحت اليافطة الانتخابية الحساسة في الزمن السوري الذي يعاد فيه تأسيس سوريا جديدة – ايا يكن المسار – وتبرز فيه ظاهرة ثابتة هي عدم تسليم "الكنائس الانطاكية" ومعها الكنيستان الارمنيتان باتجاه الاحداث "الاكثري" داخل الثورة السورية الحقيقية الجارية. "اتحادية" ما فوق لبنانية جديدة مع المسيحية المشرقية واتحادية قديمة بصيغة جديدة مع المسيحيات اللبنانية والثانية - بدون مزدوجين - كانت دائما موجودة في الازمات اللبنانية الكبيرة. (ونتذكر بدون الغرق في التفاصيل الاجتماع الارثوذكسي اللبناني الشهير في سوق الغرب عام 1975 الذي عبّر فيه فؤاد بطرس وغسان تويني عن الاتجاه التضامني مع الاحزاب المارونية الرئيسية في وجه الاتجاه الآخر – الأقلي داخل ارثوذكس لبنان- وبين رموزه يومها الراحل نجيب ابوحيدر وعباس خلف).
أزعم هنا أني لا أناقش وثيقة بكركي ولكني أحاول ان أفهمها. فمرة أخرى قد لا يكون النقاش مهما الآن، لأن الأهم هو ان نفهم لماذا يصدر هكذا خطاب موحد عن جهات بعضهم "أخوة أعداء".
نحن لبنانيا امام اكبر من موقف. انه يمكن ان يصبح تغييرا غير مسبوق في "قواعد اللعبة" الكبرى للنظام الطائفي … وفي معزل عن عدم قابلية المشروع الانتخابي للتطبيق:
ما أكبر الفكرة... ما أصغر المشروع!
... وللبحث صلة حتما.