إلى المحتوى
حركة التجدد الديمقراطي
مختارات/

أنت والربيع العربي... بل كنت أنت الربيع - غسان حجار (النهار)

أستاذ جبران ... هكذا كنا نناديك. لم تكن الاستاذ بالمعنى الحرفي للكلمة، لأن التلامذة غالباً ما لا يحبون أساتذتهم. كنت أستاذاً من نوع آخر. كنت محط إعجابنا، وإعجاب الكثيرين غيرنا، بل والكثيرات خصوصاً. منهم من أحب وسامتك واطلالتك وهيبتك، ومنهم من عشق وطنيتك وجرأتك ومواقفك البالغة حد التهور دفاعاً عن لبنانك العظيم، ومنهم من عرفك أكثر فأحب فيك الانسان المحب المتواضع الشفوق الرحيم، الأخ المشجع والسند والداعم.
ربما أحبك البعض لكل ذلك، او ربما لا يعلم من أجل أي شيء أحبك. لا معرفة في الحب، وغالباً لا منطق ولا عقل. لكن الذين تعاملوا معك، وإن كرهك بعضهم لتباعد سياسي، اكتشفوا فيك النبل والصدق والشجاعة. بالمختصر وجدوا فيك الرجولة والقيم الشرقية الأرثوذكسية. ومن لم يستدل الى كل ذلك من الاقرباء فهو بالتأكيد كان جاهلاً وربما لم يزل.
نحتفل اليوم، ولماذا نحتفل؟ فالمناسبة ليست احتفالية، بل هي الذكرى السادسة لك ولرفيقيك اندره ونقولا. لكننا لا نريدها بكاءً على الاطلال، لاننا نحبك ونحب الحياة، ولو كانت الحياة مختلفة من دونك. المناسبة للتذكر، هكذا أراها، محطة لكل الذين كانوا معك كي يجددوا العهد مع نهارك وعائلتك التوينية وعائلتك الاكبر التي تضم الى أسرة "النهار" القراء والمتابعين والداعمين وكل الاصدقاء الذين تجمّع بعضهم حول نايلة فيما انفض آخرون ليفتشوا عن فتات المصالح، وهم كانوا كذلك على الدوام. في صباح يقبّلون يد الزعيم السياسي او الديني لا فرق، وفي الصباح التالي يقبلون يد المصرفي والسفير الأجنبي.
لن نتوقف عند هؤلاء في زمن الربيع العربي، فهم الى زوال وشيك، وستلفظهم الانظمة التي يسيرون في ركبها، تلك الانظمة غير القادرة على حماية نفسها أولاً.
أذكرك اليوم اكثر من اي وقت مضى، وانا اسمع ترداد العبارات عن دور الشباب في الثورات العربية، ودورهم في بناء المستقبل. أعود الى عام 1993، اذ كنت سباقاً يوم أطلقت "نهار الشباب" وشعاره "ت يصير الصوت يودي" وجعلت للملحق مجموعات مؤيدة ومتحلقة حوله وأطلقت "هايد بارك نهار الشباب" وسيلة جماعية للقاء المسؤولين والتعبير أمامهم مباشرة، بل مواجهتهم بالحقائق، وحضّرت الورقة الأساسية لاطلاق حكومة ظل شبابية تراقب أداء الوزراء، وكانت تلك الحكومة مشروعاً أول من نوعه عالمياً على المستوى الشبابي.
الثورة العربية، بل الثورات، كنت أنت في مهدها، وكنت المحرك لها على المستوى اللبناني أولاً، لانك آمنت بدور الشباب، وأنا وكثيرون من الزملاء في "النهار" وفي غيرها من تجليات هذا الايمان بالدور وبالقدرة والامكانات.
الذين قالوا يوماً ان ما كنت تفعله هو لعب في الوقت الضائع، زمن الوصاية السورية، للعبور الى مرحلة سياسية تحفظ لك مكاناً فيها، كانوا يهذون ويكذبون، لأنهم كانوا يرون أنفسهم متخلفين عنك، وكانوا يناقضون أنفسهم لانهم لم يحلموا يوما بانتهاء الزمن السوري في لبنان، وكان اكثرهم ينحني في عنجر، بل يطأطىء الرأس للعبور الى ريف دمشق، طلبا لخدمة او منصب تافه غالباً.
اليوم، قامت الثورات، انطلقت من بيروت، من الجامعة اليسوعية، ومن "النهار"، ومن ساحة الحرية، لتعمّ كل العالم العربي، ولتؤكد رهانك على الشباب في صنع التغيير. ثورة بالتأكيد لن تهدأ قبل ان تحقق اهدافها في تكسير الأصنام والأجساد المحنطة منذ نحو اربعين عاماً ويزيد، والاهم للمرحلة المقبلة هو قدرة الشباب على بلورة افكار ومشاريع مؤسساتية، حتى لا يجني ثمار الثورة منتفعون، يعزلون الثوار الشباب، فيصح القول المأثور ان "الثورة أكلت شبابها".
 

← العودة إلى مختارات