الوقوف في عين العاصفة فوق أزمة عميقة - رفيق خوري (الانوار)
لا شيء أكثر تعبيراً عن المناخ العربي من التصويت في الجامعة سوى ما حدث بعد التصويت على القرارات في شأن سوريا. فالدول ال ١٨ التي وافقت عليها لم تشهد نقاشاً، ولا وجدت نفسها مضطرة لتبرير موقفها. والدول التي عارضت أو امتنعت عن التصويت، وهي لبنان واليمن في الحال الأولى والعراق في الحال الثانية شهدت نقاشات حادة، دفعت المسؤولين الي الدفاع عن الموقف أمام الناس ثم أمام السفراء.
ولا نقص في الحجج لدى المتساجلين في لبنان حول الموقف هجوماً أو دفاعاً. فالبلد في ورطة مهما يكن موقفه. ولو اتخذ موقف الامتناع عن التصويت لما تبدلت سوى هوية المهاجمين والمدافعين، بحيث تنقلب الحجج. لكن الثابت الذي يؤكده السجال هو أن سياسة النأي بالنفس ليست واقعية بل مجرد شعار.
إذ كيف يمكن النأي بالنفس عن أحداث سوريا في بلد حكومته من حلفاء النظام السوري ورافضي معارضيه، والمعارضة من خصوم النظام ومؤيدي معارضيه؟ لا بل في بلد يتصرف زعماؤه على أساس أن مصيرهم مرتبط بالاتجاه الذي تنتهي اليه أحداث سوريا، وان الوضع معلق بانتظار ان تتبلور الصورة في دمشق. فضلا عن الروابط التاريخية والجغرافية وحسابات المصالح وما تمليه الاتفاقات والمعاهدات بين البلدين والعلاقات الشخصية. ولا يبدّل في الأمر كون الموقف اللبناني عديم التأثير في الموقف العربي، وسط التأثر به في أمور عدة والوقوع تحت المجهر الاقليمي والدولي في مسائل حسّاسة.
ذلك ان السلطة وجدت نفسها في خيار صعب بين ان تغضب دمشق أو تغضب العواصم العربية والدولية. وهي اختارت ما تصوّرت انه الأقل خطورة، ولكن من دون حساب للتحولات والظروف التي يمكن ان تقود الى تبدّل ما تراهن عليه. فما يقوله أركان السلطة هو ان لبنان في عين العاصفة وعليه حماية نفسه منها، وما يعرفونه ان لبنان ليس فقط في عين العاصفة بل أيضا في أزمة عميقة لن تتغير ولو انتهت العاصفة، لأن العاصفة موقتة والأزمة دائمة. ولا بد في النهاية من معالجة الأزمة التي هي أعمق من الانقسام السياسي الحاد حالياً.
وليس أسوأ من الإجماع بالقوة سوى الانقسام باللامسؤولية، فمن طبائع الأمور ان تختلف الرؤى السياسية لدى الأطراف. لكن من غرابتها ان تلتقي هذه الرؤى، مع استثناءات محددة، على انعدام الرؤية الاستراتيجية أو أقله قصر النظر. انعدام الرؤية للمخاطر التي تهدد لبنان وما تتطلبه النجاة منها. وقصر النظر حيال الفرص المفتوحة أمامه أو التي يمكن ويجب فتحها.
والهرب الى أمام ليس سياسة.