إلى المحتوى
حركة التجدد الديمقراطي
مختارات/

القذافي صريعاً - ساطع نور الدين (السفير)

لم تكن نهاية نظام، كانت نهاية رجل مريض بجنون العظمة، سقط من السلطة في 23 آب الماضي، وصار طريدا، محكوما بالاعدام، ينتظر موعد تنفيذ الحكم.
لم يكن مقتل معمر القذافي مفجعا. كان النبأ متوقعا بين يوم وآخر. لعل التفاصيل كانت محزنة. كان من الطبيعي ان يرقص الليبيون فرحا بموت الطاغية. لكنه لم يكن من الانساني ولا الاخلاقي ان تتحول الجثة الى عرض تلفزيوني متواصل، وان يهلل العالم كله لاعلان وفاة رجل ميت اصلا.
في نهاية القذافي ما يثير الحيرة. هل كان مجنونا الى هذا الحد الذي يجعله يقرر القتال حتى اللحظة الاخيرة، بدلا من ان يتنحى مثل سلفيه التونسي زين العابدين بن علي والمصري حسني مبارك، وقد عرضت عليه فرص كثيرة للخروج من السلطة بلياقة وحتى محملا بمليارات الدولارات التي نهبها واولاده على مدى العقود الاربعة الماضية. هل كان منقطعا عن الواقع الى هذا الحد الذي يجعله يستغرب وصول الثوار اليه في جحره، ولعله ظن انهم طليعة من الملايين التي دعاها قبل اسبوعين فقط الى الزحف على خصومه.
لم يكن جبانا، والا فانه كان قد تدبر طريقة للفرار تحت جنح الظلام من سرت التي حوصر فيها منذ اسابيع، والتوجه الى الصحراء حيث يمكن ان يضيع فيها، او الى اكثر من بلد افريقي كان يمكن ان يرحب به وبملياراته. كان معتوها حتما، لا سيما انه سمح لثلاثة من اولاده ان يظلوا حتى اللحظة الاخيرة الى جانبه، من دون ادنى حرص ابوي على حياتهم، ولعله كان يشجعهم على القتال ويقنعهم بانها مجرد نكسة يمكن ان تعود بعدها العائلة الى قصور السلطة وخيراتها.
لذلك ربما كان يجب ان يوضع القذافي في مستشفى للامراض العقلية، بعد الاستماع الى افاداته وذكرياته، برغم صعوبة مثل هذه المهمة التي تحتاج الى جهد استثنائي لفهم اقواله وتفسير كلماته... بدلا من قتله، وتحويل تصفيته الجسدية الى احتفال يطلق غرائز الجمهور الليبي ويستجيب لرغبته الدفينة بالانتقام من الطاغية الذي اذلّه طوال 42 عاما. كان يمكن لهذا الجمهور ان يقبل بتحويل القذافي الى مادة للسخرية بدلا من ان يكون جثة يرقص حولها الليبيون، ويشاركهم في الرقص كثيرون من مختلف انحاء العالم.
لكن القدر شاء ان ينتهي القذافي قتيلا، وان تكون نهايته متأخرة بعض الشيء... وان تصدر من الجمهور الليبي مواقف واعدة، بان الاحتفال بالثأر لن يستمر طويلا، لان ليبيا ستضمد جراحها بسرعة، وستبني دولة جديدة، تحل محل الفضيحة «الجماهيرية» التي ارتكبها رجل ما كان يستحق ان يحكم بلدا طوال هذه المدة، وما كان يجدر ان ينسب الى ذلك الشعب الذي انخرط بشجاعة في الثورة العربية الكبرى التي انطلقت من غربه ثم من شرقه، وقدم تضحيات جساماً استدعت تدخل العالم واحترامه، حتى انتصر ونصر بقية الشعوب العربية التي تكمل المسيرة.

 
 

← العودة إلى مختارات