إلى المحتوى
حركة التجدد الديمقراطي
مختارات/

على الطريقة الفرنسية لا اللبنانية - مازن حايك (النهار)

يخرج المتابع للدورة الأولى من الإنتخابات التمهيدية للحزب الإشتراكي الفرنسي بانطباع أنها أفضل وأكثر ديموقراطية وحريّة ونزاهة واحترافاً وتنافساً من مختلَف أنواع الإنتخابات في لبنان! وقبل معرفة من سيفوز بنتائج الدورة الثانية يوم الأحد، أكان فرنسوا هولاند أم مارتين أوبري، وبالتالي تحديد من سيواجه مرشح اليمين الأبرز، الرئيس نيكولا ساركوزي، في الإنتخابات الرئاسية السنة 2012، فإن العِبَر بدت واضحة لمَن يُريد استخلاصها.
 مُنيَت سيغولين رويال، المرشحة السابقة للإنتخابات الرئاسية، بخسارة مفاجئة في إقتراع شمل أكثر من مليونين ونصف المليون من الناخبين الموقِّعين على "شرعة القيم" اليسارية. وإن دلّ ذلك على شيء، فعلى أن نتائج الإستحقاقات الديموقراطية في فرنسا (وغيرها) ليست محسومة سلفاً، كما الحال عندنا، حيث ينحرف أعضاء "النادي السياسي"، بشكل متعمّد ومتمادٍ، نحو "التوافق" والتزكية، أو التمديد والتجديد، أو التوريث والاستمرار مدى الحياة، أو تفصيل القوانين على قياسهم... وذلك على حساب مصلحة الدولة، والخير العام، وخيارات الناس الفعلية، وحيوية النظام الديموقراطي، والقدرة على المساءلة والمحاسبة والتغيير.
 أما العبرة الثانية فتكمُن في مدى احتراف الحياة السياسية الفرنسية، وجدّيتها وتطوّرها والتصاقها بقيم الجمهورية. فالدخول إلى غمار السياسة أو جنّة الحكم لا يحصل مصادفة، وفقاً لمعايير الطائفية والولاء، أو الإرث والميراث، أو وفرة الإمكانات، أو بفعل "الأمر الواقع" والواسطة، كما الحال عندنا... بل تبعاً لمشيئة الناس، واحتراماً لمعايير الكفاءة والجدارة والإختصاص، والإنتساب للأحزاب، والممارسة الصالحة. وما لا تؤمّنه الجامعات والمعاهد الإدارية تكمّله الأحزاب التي ينتسب إليها الشباب، منذ بلوغهم سن الـ 16، اذ يتعلّمون فن الحكم واستشراف المستقبل، وكيفية معالجة الملفات الشائكة، ويتبادلون الخبرات و"أفضل الممارسات"، كما يتمتّعون بما توفّره لهم "ماكينة الحزب" من دعم ترشيحاتهم، وتمويل حملاتهم، وتسويق قدراتهم، بالإضافة إلى مساهمتها في صقل مهاراتهم، وتدرّجهم، ووصولهم إلى أعلى هرم السلطة أو المعارضة، ثم تداول السلطة... بعيداً من القبر، والسجن، والمنفى!
 وتكمُن العبرة الثالثة في تطوّر قانون الإنتخاب وعدالته واستقراره، وكذلك في احترام النتائج التي توصل الفائز، أياً يَكُن، إلى المركز الذي يَستحق، ناهيك عن المناظرات التلفزيونية المتساوية الفرص وفترات الظهور. ولا ننسى كيف أن الناخب الفرنسي يدفع مبلغاً رمزياً، قيمته أورو واحد كحدٍ أدنى للتصويت، التزاماً منه بالعملية الانتخابية، ومساهمةً في المصاريف والأعباء، عوضاً عن قبض المال السياسي للترشّح أو الرشوة للإنتخاب، أيضاً كما الحال عندنا...
 ما أروع الديموقراطية على الطريقة الفرنسية !

 

← العودة إلى مختارات