في اطار التحضير للقمة العالمية ( الريو+20) التي تنعقد في الريو العام المقبل، تنظم شبكة المنظمات العربية للتنمية بالتنسيق مع الاسكوا ورشة اقليمية تشاورية لمنظمات المجتمع المدني في المنطقة العربية غدا في بيروت.
العنوان الأبرز الذي ستحصل حوله النقاشات والذي اقترحته الجمعية العامة للأمم المتحدة ليشكل العنوان الرئيسي للقمة هو»الاقتصاد الأخضر». فهل في مقدور هذا المفهوم ان ينقذ العالم من الأزمات الاقتصادية والبيئة الخطيرة التي يعاني منها كوكبنا؟
للإجابة عن هذا السؤال لا بد اولا من الانطلاق من التعريف، فما المقصود بـ«الاقتصاد الأخضر»؟
يعرف برنامج الامم المتحدة للبيئة (اليونيب) الاقتصاد الأخضر بكونه «الاقتصاد الذي ينتج عنه تحسن في رفاهية الانسان والمساواة الاجتماعية». كما «يقلل بصورة ملحوظة من المخاطر البيئية وندرة الموارد الايكولوجية. ويقل فيه انبعاث الكربون وتزداد كفاءة استخدام الموارد، كما يستوعب جميع الفئات الاجتماعية». وفي الاقتصاد الأخضر، «يجب ان يكون النمو في الدخل وفرص العمل مدفوعا من جانب الاستثمارات العامة والخاصة التي تقلل الانبعاثات والتلوث. وتحتاج هذه الاستثمارت الى التحفيز والدعم عن طريق الانفاق العام الموجه واصلاح السياسات وتغيير اللوائح. على ان يحافظ مسار التنمية على راس المال الطبيعي باعتباره مصدرا للمنفعة العامة، خاصة الفقراء الذين يعتمد امنهم ونمط حياتهم على الطبيعة».
ولمزيد من التوضيح تؤكد اليونيب ان مبدأ «الاقتصاد الأخضر» لا يحل محل «التنمية المستدامة»، بل ان تحقيق الاستدامة يرتكز على اصلاح الاقتصاد. وان الاستدامة لا تزال هدفا حيويا وان «تخضير» الاقتصاد يساهم في الوصول الى هذا الهدف.
كما يوحي تقرير اليونيب ان فكرة الاقتصاد الاخضر اتت كرد على نموذج «الاقتصاد البني»، الذي يعتمد على الوقود الاحفوري، وان الدعم المقدم لهذا النوع من الوقود البني والذي تجاوز 650 مليار دولار العام 2008 ، يشكل عائقا اساسيا امام الطاقات المتجددة والاقتصاد الاخضر، وان مجرد استبدال او تحويل جزء من هذا الدعم، يمكن ان يحل المشكلة.
للانتقال الى الاقتصاد الاخضر، تقترح اليونيب ايجاد ما تسميه «ظروفا تمكينية»، اي الدعم المادي والحوافز والهياكل القانونية والسوقية والتجارية والمساعدات... التي تميل حاليا الى الاقتصاد البني. ومن الامثلة على الظروف التمكينية على المستوى القومي، تغيير السياسات المالية وتقليل الدعم المضر بالبيئة وتوجيه الاستثمارات لقطاعات خضراء... عبر تعزيز قدر اكبر من التعاون الدولي.
وتطمئن تقارير اليونيب ان تخضير الاقتصاد لا يمنع من بناء الثروة ولا يحجب فرص العمل ولا يعيق الاستثمارات، وكل المطلوب هو نقل الاستثمارات الى قطاعات جديدة.
لا تبدو لنا المشكلة في الاصل في لون الاقتصاد بالرغم من اهمية مصادر الطاقة لتحديد التوجهات الاقتصادية؛ الا ان المشكلة هي في مفهوم الاقتصاد نفسه، الذي يحتاج الى مراجعة عميقة بعد كل المحاولات الفاشلة لتحسين لونه. فالمطلوب العودة الى المعنى الاصلي للاقتصاد الذي كان يعني الاستثمار ضمن قواعد الطبيعة وليس ضمن قواعد السوق، كما هو حاصل حاليا. العودة الى معنى الاقتصاد كما كان يفهمه اجدادنا الذي يعني التوفير وحسن التدبير، وليس زيادة الانتاج والاستهلاك، حسب قواعد الاسواق وحسابات الربح والخسارة.
من الواضح ان مقترح المفهوم الجديد لا يريد اعادة النظر بقواعد اقتصاد السوق القائم على تشجيع الاستثمار والمنافسة في السوق، وهو يعتقد ان المطلوب فقط هو نقل نوع هذه الاستثمارات فقط، والانتقال من اقتصاد يعتمد على الوقود الاحفوري الى اقتصاد يقوم على الطاقات المتجددة. بهذه البساطة! مع العلم ان قواعد السوق، لا يمكن الا ان تتبع مصادر الطاقة الارخص، على قاعدة «طاقة ارخص، انتاج بكلفة ارخص وامكانيات اعلى للتسويق والمضاربة في السوق والربح». وكما هو معلوم فان الطاقة الاحفورية البنية، هي الطاقة الارخص حتى اشعار آخر، ولا سبيل بالتالي للتحول الى طاقات وتكنولوجيات جديدة اغلى ثمنا واعلى كلفة ولا تستطيع ان تنافس الطاقات والصناعات التقليدية، بالاضافة الى صعوبة منافسة المافيات المتحكمة بكل قطاع والتي لها تأثيرات على سياسات الدول اقوى من تاثيرات الامم المتحدة وخبرائها وتقاريرها...
وبالتالي لا سبيل الى هذا الانتقال الا بثورة في المفاهيم وليس في تغيير لونها، ثورة شبيهة بتلك «الثورة الصناعية» التي حصلت في العالم وتسببت بالكثير من المشاكل الخطرة التي نعاني منها اليوم... لكن بطريقة معكوسة. الا اذا كان المطلب الضمني للاقتصاد الأخضر، طلب حصة من هذا السوق، أي ان يكون للتكنولوجيا الجديدة حصتها من دون تغيير قواعد اللعبة! وهذا المشروع لن يؤدي الى انقاذ الكوكب واقتصاده بالتاكيد.
هناك اعتراف بضرورة دعم توجه الاقتصاد الاخضر. وهذا طبيعي. ولكن من سيقوم بهذا الدعم؟
يقول المدير التنفيذي لبرنامج الامم المتحدة الانمائي آشيم شتاينر في تقديمه لتقرير «الاقتصاد الاخضر»، ان هذا المفهوم «لا يفضل وجهة نظر سياسية على غيرها، وهو يناسب كافة انواع الاقتصاد، سواء اكانت اقتصاديات تديرها الدولة او تحكمها آليات السوق...» واذا كنا نعرف تاريخيا ما معنى ان تدعم الدول او الحكومات توجهات اقتصادية او تقنية معينة، من اموال دافعي الضرائب، وعبر آليات قانونية محددة تتبناها البرلمانات وتصبح ملزمة... لا نعرف كيف يمكن لآليات السوق نفسها ان تقدم هذا الدعم، مع العلم انه لا وجود لأي اطار ملزم عالميا لهكذا توجهات، وان كل المفاوضات التي بدأت عالميا منذ قمة الارض الاولى التي عقدت في الريو العام 1992 والتي اقرت بضرورة «نقل التكنولوجيا»، لم تستطع حتى الاجتماع الأخير في كانكون العام الماضي ان تضع آلية عالمية لهذا التوجه؛ لا بل ان الاطر التي وضعتها منظمة التجارة العالمية، والقوانين المعولمة التي تم صياغتها كقانون حماية الملكية الفكرية، شكلت عائقا إضافيا امام «التكنولوجيا الخضراء» التي يروج لها الاقتصاد الأخضر!
وبالتالي لا نرى ان هذه الحيادية يمكن ان توصل الى مكان، وان «الاقتصاد البيئي» يمكن ان يتحقق من دون دعم واضح من جهات غير ربحية كالدول، وضمن إطار الأمم المتحدة بعد استعادة دورها الأصلي.
رجوع
في اطار التحضير للقمة العالمية ( الريو+20) التي تنعقد في الريو العام المقبل، تنظم شبكة المنظمات العربية للتنمية بالتنسيق مع الاسكوا ورشة اقليمية تشاورية لمنظمات المجتمع المدني في المنطقة العربية غدا في بيروت.
العنوان الأبرز الذي ستحصل حوله النقاشات والذي اقترحته الجمعية العامة للأمم المتحدة ليشكل العنوان الرئيسي للقمة هو»الاقتصاد الأخضر». فهل في مقدور هذا المفهوم ان ينقذ العالم من الأزمات الاقتصادية والبيئة الخطيرة التي يعاني منها كوكبنا؟
للإجابة عن هذا السؤال لا بد اولا من الانطلاق من التعريف، فما المقصود بـ«الاقتصاد الأخضر»؟
يعرف برنامج الامم المتحدة للبيئة (اليونيب) الاقتصاد الأخضر بكونه «الاقتصاد الذي ينتج عنه تحسن في رفاهية الانسان والمساواة الاجتماعية». كما «يقلل بصورة ملحوظة من المخاطر البيئية وندرة الموارد الايكولوجية. ويقل فيه انبعاث الكربون وتزداد كفاءة استخدام الموارد، كما يستوعب جميع الفئات الاجتماعية». وفي الاقتصاد الأخضر، «يجب ان يكون النمو في الدخل وفرص العمل مدفوعا من جانب الاستثمارات العامة والخاصة التي تقلل الانبعاثات والتلوث. وتحتاج هذه الاستثمارت الى التحفيز والدعم عن طريق الانفاق العام الموجه واصلاح السياسات وتغيير اللوائح. على ان يحافظ مسار التنمية على راس المال الطبيعي باعتباره مصدرا للمنفعة العامة، خاصة الفقراء الذين يعتمد امنهم ونمط حياتهم على الطبيعة».
ولمزيد من التوضيح تؤكد اليونيب ان مبدأ «الاقتصاد الأخضر» لا يحل محل «التنمية المستدامة»، بل ان تحقيق الاستدامة يرتكز على اصلاح الاقتصاد. وان الاستدامة لا تزال هدفا حيويا وان «تخضير» الاقتصاد يساهم في الوصول الى هذا الهدف.
كما يوحي تقرير اليونيب ان فكرة الاقتصاد الاخضر اتت كرد على نموذج «الاقتصاد البني»، الذي يعتمد على الوقود الاحفوري، وان الدعم المقدم لهذا النوع من الوقود البني والذي تجاوز 650 مليار دولار العام 2008 ، يشكل عائقا اساسيا امام الطاقات المتجددة والاقتصاد الاخضر، وان مجرد استبدال او تحويل جزء من هذا الدعم، يمكن ان يحل المشكلة.
للانتقال الى الاقتصاد الاخضر، تقترح اليونيب ايجاد ما تسميه «ظروفا تمكينية»، اي الدعم المادي والحوافز والهياكل القانونية والسوقية والتجارية والمساعدات... التي تميل حاليا الى الاقتصاد البني. ومن الامثلة على الظروف التمكينية على المستوى القومي، تغيير السياسات المالية وتقليل الدعم المضر بالبيئة وتوجيه الاستثمارات لقطاعات خضراء... عبر تعزيز قدر اكبر من التعاون الدولي.
وتطمئن تقارير اليونيب ان تخضير الاقتصاد لا يمنع من بناء الثروة ولا يحجب فرص العمل ولا يعيق الاستثمارات، وكل المطلوب هو نقل الاستثمارات الى قطاعات جديدة.
لا تبدو لنا المشكلة في الاصل في لون الاقتصاد بالرغم من اهمية مصادر الطاقة لتحديد التوجهات الاقتصادية؛ الا ان المشكلة هي في مفهوم الاقتصاد نفسه، الذي يحتاج الى مراجعة عميقة بعد كل المحاولات الفاشلة لتحسين لونه. فالمطلوب العودة الى المعنى الاصلي للاقتصاد الذي كان يعني الاستثمار ضمن قواعد الطبيعة وليس ضمن قواعد السوق، كما هو حاصل حاليا. العودة الى معنى الاقتصاد كما كان يفهمه اجدادنا الذي يعني التوفير وحسن التدبير، وليس زيادة الانتاج والاستهلاك، حسب قواعد الاسواق وحسابات الربح والخسارة.
من الواضح ان مقترح المفهوم الجديد لا يريد اعادة النظر بقواعد اقتصاد السوق القائم على تشجيع الاستثمار والمنافسة في السوق، وهو يعتقد ان المطلوب فقط هو نقل نوع هذه الاستثمارات فقط، والانتقال من اقتصاد يعتمد على الوقود الاحفوري الى اقتصاد يقوم على الطاقات المتجددة. بهذه البساطة! مع العلم ان قواعد السوق، لا يمكن الا ان تتبع مصادر الطاقة الارخص، على قاعدة «طاقة ارخص، انتاج بكلفة ارخص وامكانيات اعلى للتسويق والمضاربة في السوق والربح». وكما هو معلوم فان الطاقة الاحفورية البنية، هي الطاقة الارخص حتى اشعار آخر، ولا سبيل بالتالي للتحول الى طاقات وتكنولوجيات جديدة اغلى ثمنا واعلى كلفة ولا تستطيع ان تنافس الطاقات والصناعات التقليدية، بالاضافة الى صعوبة منافسة المافيات المتحكمة بكل قطاع والتي لها تأثيرات على سياسات الدول اقوى من تاثيرات الامم المتحدة وخبرائها وتقاريرها...
وبالتالي لا سبيل الى هذا الانتقال الا بثورة في المفاهيم وليس في تغيير لونها، ثورة شبيهة بتلك «الثورة الصناعية» التي حصلت في العالم وتسببت بالكثير من المشاكل الخطرة التي نعاني منها اليوم... لكن بطريقة معكوسة. الا اذا كان المطلب الضمني للاقتصاد الأخضر، طلب حصة من هذا السوق، أي ان يكون للتكنولوجيا الجديدة حصتها من دون تغيير قواعد اللعبة! وهذا المشروع لن يؤدي الى انقاذ الكوكب واقتصاده بالتاكيد.
هناك اعتراف بضرورة دعم توجه الاقتصاد الاخضر. وهذا طبيعي. ولكن من سيقوم بهذا الدعم؟
يقول المدير التنفيذي لبرنامج الامم المتحدة الانمائي آشيم شتاينر في تقديمه لتقرير «الاقتصاد الاخضر»، ان هذا المفهوم «لا يفضل وجهة نظر سياسية على غيرها، وهو يناسب كافة انواع الاقتصاد، سواء اكانت اقتصاديات تديرها الدولة او تحكمها آليات السوق...» واذا كنا نعرف تاريخيا ما معنى ان تدعم الدول او الحكومات توجهات اقتصادية او تقنية معينة، من اموال دافعي الضرائب، وعبر آليات قانونية محددة تتبناها البرلمانات وتصبح ملزمة... لا نعرف كيف يمكن لآليات السوق نفسها ان تقدم هذا الدعم، مع العلم انه لا وجود لأي اطار ملزم عالميا لهكذا توجهات، وان كل المفاوضات التي بدأت عالميا منذ قمة الارض الاولى التي عقدت في الريو العام 1992 والتي اقرت بضرورة «نقل التكنولوجيا»، لم تستطع حتى الاجتماع الأخير في كانكون العام الماضي ان تضع آلية عالمية لهذا التوجه؛ لا بل ان الاطر التي وضعتها منظمة التجارة العالمية، والقوانين المعولمة التي تم صياغتها كقانون حماية الملكية الفكرية، شكلت عائقا إضافيا امام «التكنولوجيا الخضراء» التي يروج لها الاقتصاد الأخضر!
وبالتالي لا نرى ان هذه الحيادية يمكن ان توصل الى مكان، وان «الاقتصاد البيئي» يمكن ان يتحقق من دون دعم واضح من جهات غير ربحية كالدول، وضمن إطار الأمم المتحدة بعد استعادة دورها الأصلي.
رجوع
في اطار التحضير للقمة العالمية ( الريو+20) التي تنعقد في الريو العام المقبل، تنظم شبكة المنظمات العربية للتنمية بالتنسيق مع الاسكوا ورشة اقليمية تشاورية لمنظمات المجتمع المدني في المنطقة العربية غدا في بيروت.
العنوان الأبرز الذي ستحصل حوله النقاشات والذي اقترحته الجمعية العامة للأمم المتحدة ليشكل العنوان الرئيسي للقمة هو»الاقتصاد الأخضر». فهل في مقدور هذا المفهوم ان ينقذ العالم من الأزمات الاقتصادية والبيئة الخطيرة التي يعاني منها كوكبنا؟
للإجابة عن هذا السؤال لا بد اولا من الانطلاق من التعريف، فما المقصود بـ«الاقتصاد الأخضر»؟
يعرف برنامج الامم المتحدة للبيئة (اليونيب) الاقتصاد الأخضر بكونه «الاقتصاد الذي ينتج عنه تحسن في رفاهية الانسان والمساواة الاجتماعية». كما «يقلل بصورة ملحوظة من المخاطر البيئية وندرة الموارد الايكولوجية. ويقل فيه انبعاث الكربون وتزداد كفاءة استخدام الموارد، كما يستوعب جميع الفئات الاجتماعية». وفي الاقتصاد الأخضر، «يجب ان يكون النمو في الدخل وفرص العمل مدفوعا من جانب الاستثمارات العامة والخاصة التي تقلل الانبعاثات والتلوث. وتحتاج هذه الاستثمارت الى التحفيز والدعم عن طريق الانفاق العام الموجه واصلاح السياسات وتغيير اللوائح. على ان يحافظ مسار التنمية على راس المال الطبيعي باعتباره مصدرا للمنفعة العامة، خاصة الفقراء الذين يعتمد امنهم ونمط حياتهم على الطبيعة».
ولمزيد من التوضيح تؤكد اليونيب ان مبدأ «الاقتصاد الأخضر» لا يحل محل «التنمية المستدامة»، بل ان تحقيق الاستدامة يرتكز على اصلاح الاقتصاد. وان الاستدامة لا تزال هدفا حيويا وان «تخضير» الاقتصاد يساهم في الوصول الى هذا الهدف.
كما يوحي تقرير اليونيب ان فكرة الاقتصاد الاخضر اتت كرد على نموذج «الاقتصاد البني»، الذي يعتمد على الوقود الاحفوري، وان الدعم المقدم لهذا النوع من الوقود البني والذي تجاوز 650 مليار دولار العام 2008 ، يشكل عائقا اساسيا امام الطاقات المتجددة والاقتصاد الاخضر، وان مجرد استبدال او تحويل جزء من هذا الدعم، يمكن ان يحل المشكلة.
للانتقال الى الاقتصاد الاخضر، تقترح اليونيب ايجاد ما تسميه «ظروفا تمكينية»، اي الدعم المادي والحوافز والهياكل القانونية والسوقية والتجارية والمساعدات... التي تميل حاليا الى الاقتصاد البني. ومن الامثلة على الظروف التمكينية على المستوى القومي، تغيير السياسات المالية وتقليل الدعم المضر بالبيئة وتوجيه الاستثمارات لقطاعات خضراء... عبر تعزيز قدر اكبر من التعاون الدولي.
وتطمئن تقارير اليونيب ان تخضير الاقتصاد لا يمنع من بناء الثروة ولا يحجب فرص العمل ولا يعيق الاستثمارات، وكل المطلوب هو نقل الاستثمارات الى قطاعات جديدة.
لا تبدو لنا المشكلة في الاصل في لون الاقتصاد بالرغم من اهمية مصادر الطاقة لتحديد التوجهات الاقتصادية؛ الا ان المشكلة هي في مفهوم الاقتصاد نفسه، الذي يحتاج الى مراجعة عميقة بعد كل المحاولات الفاشلة لتحسين لونه. فالمطلوب العودة الى المعنى الاصلي للاقتصاد الذي كان يعني الاستثمار ضمن قواعد الطبيعة وليس ضمن قواعد السوق، كما هو حاصل حاليا. العودة الى معنى الاقتصاد كما كان يفهمه اجدادنا الذي يعني التوفير وحسن التدبير، وليس زيادة الانتاج والاستهلاك، حسب قواعد الاسواق وحسابات الربح والخسارة.
من الواضح ان مقترح المفهوم الجديد لا يريد اعادة النظر بقواعد اقتصاد السوق القائم على تشجيع الاستثمار والمنافسة في السوق، وهو يعتقد ان المطلوب فقط هو نقل نوع هذه الاستثمارات فقط، والانتقال من اقتصاد يعتمد على الوقود الاحفوري الى اقتصاد يقوم على الطاقات المتجددة. بهذه البساطة! مع العلم ان قواعد السوق، لا يمكن الا ان تتبع مصادر الطاقة الارخص، على قاعدة «طاقة ارخص، انتاج بكلفة ارخص وامكانيات اعلى للتسويق والمضاربة في السوق والربح». وكما هو معلوم فان الطاقة الاحفورية البنية، هي الطاقة الارخص حتى اشعار آخر، ولا سبيل بالتالي للتحول الى طاقات وتكنولوجيات جديدة اغلى ثمنا واعلى كلفة ولا تستطيع ان تنافس الطاقات والصناعات التقليدية، بالاضافة الى صعوبة منافسة المافيات المتحكمة بكل قطاع والتي لها تأثيرات على سياسات الدول اقوى من تاثيرات الامم المتحدة وخبرائها وتقاريرها...
وبالتالي لا سبيل الى هذا الانتقال الا بثورة في المفاهيم وليس في تغيير لونها، ثورة شبيهة بتلك «الثورة الصناعية» التي حصلت في العالم وتسببت بالكثير من المشاكل الخطرة التي نعاني منها اليوم... لكن بطريقة معكوسة. الا اذا كان المطلب الضمني للاقتصاد الأخضر، طلب حصة من هذا السوق، أي ان يكون للتكنولوجيا الجديدة حصتها من دون تغيير قواعد اللعبة! وهذا المشروع لن يؤدي الى انقاذ الكوكب واقتصاده بالتاكيد.
هناك اعتراف بضرورة دعم توجه الاقتصاد الاخضر. وهذا طبيعي. ولكن من سيقوم بهذا الدعم؟
يقول المدير التنفيذي لبرنامج الامم المتحدة الانمائي آشيم شتاينر في تقديمه لتقرير «الاقتصاد الاخضر»، ان هذا المفهوم «لا يفضل وجهة نظر سياسية على غيرها، وهو يناسب كافة انواع الاقتصاد، سواء اكانت اقتصاديات تديرها الدولة او تحكمها آليات السوق...» واذا كنا نعرف تاريخيا ما معنى ان تدعم الدول او الحكومات توجهات اقتصادية او تقنية معينة، من اموال دافعي الضرائب، وعبر آليات قانونية محددة تتبناها البرلمانات وتصبح ملزمة... لا نعرف كيف يمكن لآليات السوق نفسها ان تقدم هذا الدعم، مع العلم انه لا وجود لأي اطار ملزم عالميا لهكذا توجهات، وان كل المفاوضات التي بدأت عالميا منذ قمة الارض الاولى التي عقدت في الريو العام 1992 والتي اقرت بضرورة «نقل التكنولوجيا»، لم تستطع حتى الاجتماع الأخير في كانكون العام الماضي ان تضع آلية عالمية لهذا التوجه؛ لا بل ان الاطر التي وضعتها منظمة التجارة العالمية، والقوانين المعولمة التي تم صياغتها كقانون حماية الملكية الفكرية، شكلت عائقا إضافيا امام «التكنولوجيا الخضراء» التي يروج لها الاقتصاد الأخضر!
وبالتالي لا نرى ان هذه الحيادية يمكن ان توصل الى مكان، وان «الاقتصاد البيئي» يمكن ان يتحقق من دون دعم واضح من جهات غير ربحية كالدول، وضمن إطار الأمم المتحدة بعد استعادة دورها الأصلي.
رجوع
إقرأ للكاتب نفسه
•نحو «العودة» إلى «الأقل»
•لماذا تراجع الإنتاج الكهرمائي
•أي مخاطر بيئية للتنقيب عن النف
•اكتشاف مجرى جديد في مغارة جعيت
•بعد ألمانيا الخالية من النووي
الإسم الكامل * البريد الإلكتروني * *
التعليق
*
أقصى حد للمشاركة هو 350 حرفاً - شروط الإستخدام
تتم مراجعة المشاركات قبل نشرها
الرجاء إعادة كتابة الرقم الموجود في الصورة
على الموقع الأكثر قراءة روسيا تقترح حواراً 10%
مصر في صدمة ... ال 8%
ماذا سيفعل الحريري 7%
مفاجأة المحكمة: كا 7%
لهذه الأسباب قدم ك 6%
صفحات مجهولة من حرب تموز
تونس
مصر
البحرين
ليبيا
اليمن
سوريا
"دولة فلسطين" في الامم المتحدة
ويكيليكس من زوايا مختلفة
أزمة "اللبنانية" وأزمة الطلاب
الأمل والعمل والملل.. والصراط المستقيم
رام العربي: بعد التعذيب محاضرات فكريّة وأخوّة وتعهّد
عضـــو المجلـــس الوطـــني الســوري محمــد العبــد الله: عمليــات "الجيش الحر" دفاع مشروع عن النفس
شعب بلا "جوبز"
المقبرة مهملة والحياة تمضي فـي معنـى المجـزرة والـذكـرى! شهادة مسلح شارك في المجزرة إيليـن سيغـل أمــام لجنــة كــاهــان شهـادة فتـاة نجـت مـن المذبحـة
أبادوا عائلتي وقطعوا الرضيع
حالة الطقس
بيروت`60;
بيروت الرباط الرياض القاهرة القدس أبيدجان باريس برلين تورونتو دبي دمشق سيدني لاغوس لندن موسكو مونتريال نيويورك