إلى المحتوى
حركة التجدد الديمقراطي
مختارات/

هل التمثيل النسبي هو الأفضل حالياً للبنان؟(1) - كارلوس ادّه ومروان صقر (السفير)

انعقد بالأمس اجتماع بكركي لبحث موضوع قانون الانتخاب، في ظل دعوات صدرت مؤخراً عن مواقع رسمية وروحية عليا لاعتماد نظام تمثيل نسبي représentation proportionnelle. وشرعت وزارة الداخلية فوراً بإعداد مشروع قانون بهذا المنحى تم عرض أجزاء منه على ممثلي القوى السياسية والمجتمع المدني، في حين ان الموضوع يستأهل بحثاً أعمق وضمن دائرة أوسع تتجاوز الكتل النيابية المسيحية، باعتبار ان الموضوع يهم جميع اللبنانيين. وفي ضوء عدم توصل الاجتماع الى نتيجة واضحة بعد، لا بد من إبداء الملاحظات التالية علّها تفيد في إغناء النقاش حول الموضوع على الرغم من عدم المشاركة في الاجتماع.

ملاحظة أولية

ان الهدف من هذه الورقة ليس انتقاد نظام التمثيل النسبي في المطلق، فهذا النظام يشكل الى جانب نظام الانتخاب الاكثري ضمن الدائرة الفردية على دورة أو دورتين، النظامين الاكثر اعتماداً في العالم (37,5%من الدول للاول و31,4 % للثاني)، لا سيما في الدول المعروفة بديموقراطيتها العريقة.
وانطلاقاً من انه لا وجود لنظام انتخابي مثالي، فإن البحث عن النظام الانتخابي الأكثر ملاءمة لا يمكن ان يكون مبنياً على أُسس أكاديمية فقط، بل يجب ان يأتي هذا النظام بأجوبة على المشاكل التي تشوب النظام الانتخابي الحالي في لبنان، وفي هذه المرحلة السياسية بالذات. ذلك ان قانون الانتخاب ـ كأي نص تشريعي آخر ـ يبقى قابلاً للتطور والتعديل مستقبلاً وهو ليس نصاً مُنزلاً أو جامداً.
كذلك، لن ندخل في التفاصيل التقنية لأنظمة التمثيل النسبي المتعددة، كطريقة احتساب الحاصل الانتخابي quotient électoral ونظام الصوت التفصيلي vote préférentiel والآليات الحسابية المختلفة المعتمدة لتوزيع المقاعد على اللوائح، لعلمنا ان التطبيقات العملية لهذه التقنيات متوافرة في أنظمة انتخابية عديدة في العالم وفي الدراسات والآراء. فالسؤال المطروح اليوم ليس ما اذا كانت النسبية قابلة للتطبيق تقنياً في لبنان، وهو أمر ممكن، بل ما اذا كانت النظام الانتخابي الافضل للوضع اللبناني الحالي على ضوء التجارب السياسية والانتخابية الحديثة، لا سيما كيفية قيام التحالفات الانتخابية وتشكيل اللوائح؟
إن ملاحظاتنا ستتناول اولاً نقد الوضع الانتخابي الحالي في لبنان، ثم الحلول المتوخاة من أي نظام انتخابي جديد في الظرف السياسي الراهن وما اذا كان النسبية المقترحة اليوم تؤمن هذا الهدف؛ وأخيراً لماذا نرى أن النظام الاكثري ضمن دوائر فردية على دورتين هو الأفضل على ضوء الواقع اللبناني الحالي.

في نقد النظام الانتخابي الحالي

تعرض النظام الانتخابي المعتمد في لبنان منذ عام 1960 الى تعديلات عديدة ابتداء من انتخابات عام 1992 والدورات التي تلتها. إلا أن السمة الأساسية للأنظمة الانتخابية التي نصت عليها قوانين الانتخاب المتعاقبة كانت ولا تزال تقوم على اجتماع عنصرين اثنين:
أ- اعتماد النظام الانتخابي الأكثري البسيط على اساس القوائم الانتخابية ودوائر يتراوح حجمها بين الوسطى (القضاء) والكبيرة (محافظة أو عدة اقضية) بصورة ثابتة.
ب- تقسيم الدوائر على شكل مختلف في الدورات الانتخابية المتلاحقة، علماً ان الاختلاف في التقسيم قد شهد وتيرة متسارعة بعد انتهاء الحرب.
ان التدقيق في هذا النظام يبرز العيوب التالية:
أ- ممارسة الناخب لحقه الانتخابي على أساس الصوت المفيد vote utile وذلك لمصلحة المرشح أو اللائحة الاوفر حظاً، حتى ولو كان يفضل ضمناً مرشحاً آخر. وهذا ما يؤدي إلى تهميش الأوجه والآراء والقوى الجديدة في المجتمع إذا لم تتمكن من «الدخول» الى اللوائح الرئيسية.
ب- تعاظم تأثير المال الذي يدفعه بعض أصحاب النعمة للدخول الى لائحة تكون بمثابة «بوسطة» لا تقوم على أي برنامج واضح للتحالف. هذا ناهيك عن قيام المنافسة بين أعضاء اللائحة ذاتها في بعض الأحيان بحيث يسود ما يُعرف «بالتشطيب» الأمر الذي يحد من إمكانية إرساء تحالفات سياسية واضحة المعالم والأهداف.
ج- تعزيز التطرف الفئوي والزبائنية وصرف النفوذ. ويزداد هذا الامر حدة مع انقسام الناخبين على أساس طائفي، ذلك ان من شأن النظام الأكثري كما هو معتمد حاليا أن يؤدي إلى تجريد الأصوات العائدة للأقليات الطائفية ـ أيا كان حجمها ـ من أي وزن أو تأثير في العملية الانتخابية. فبات البعض يشعرون بأن معظم نوابهم يُنتخبون من ناخبين ينتمون الى طوائف آخرى، مما ينقص حجم الثقة ويدفع المواطنين إلى مزيد من الفرقة والتباعد.
د- تهميش فئات واسعة من الشباب والمرأة وشرائح أخرى في المجتمع الذين لم يتح لهم الدخول الى اللوائح الكبرى بالنظر للمعايير المعتمدة في تشكيل اللوائح الانتخابية والتي يتداخل فيها العنصر الشخصي بالعائلي والمالي على حساب الكفاءة والفكر السياسي.
ه- وفي الواقع اللبناني خاصة، تحولت القوة المهيمنة الى المرجعية الوحيدة في تشكيل الحكومات الناتجة من تشكيلة المجالس النيابية المنتخبة وفقاً لتلك القوانين المتعاقبة.
وتجدر الاشارة الى أن نظام التمثيل الاكثري على اساس القوائم في دوائر واسعة لم يعد مستخدما في معظم العالم الديموقراطي الذي اتجه إما الى نظام الاقتراع ضمن دوائر فردية أو الى نظام نسبي، في حين بقي النظام الاكثري الحالي إحدى السمات الاساسية للنظام الانتخابي اللبناني.
أما مسألة تقسيم الدوائر الانتخابية، فإن تعديل تقسيم الدوائر في العمليات الانتخابية المتلاحقة قد بات في الواقع سمة من سمات النظام اللبناني. وذلك يعود لعوامل عدة يرتبط غالبها بسواد البراغماتية في التشريع بما يؤمن مصالح فئوية أو شخصية معينة، بعيداً عن أي محاولة لإجراء تقسيم موضوعي مبني على معايير ثابتة مستمدة من المصلحة العامة. وقد بلغت التقسيمات أحياناً مستويات عالية من التعسف على نحو يخل بالحد الأدنى من معايير العدالة بحيث يختار مواطن نائبين ومواطن آخر في منطقة أخرى يختار 19 أو 23 نائباً. وأغرب ما في الأمر هو ان المجلس الدستوري قد اعتمد هذه «البراغماتية» حين شرّع تقسيم الدوائر على نحو غير متساو بحجة وجود ضرورة وعلى شرط أن يأتي القانون «استثنائياً ولمرة واحدة فقط»!
ما المطلوب من أي نظام انتخابي جديد للبنان في الظرف الراهن؟
إن أي نظام انتخابي جديد يؤمل منه أن يأتي بحلول للمشاكل التالية:
أ- تأمين المساواة بين الناخبين لأية طائفة أم منطقة انتموا (ما دام التمثيل الطائفي قائماً)، بحيث يكون لصوت كل ناخب التأثير ذاته في انتخاب ممثليه في كل الدوائر وبين كل الفئات الطائفية، فينتفي شعور بعض المجموعات بأن أكثرية نوابهم تأتي بأصوات مجموعات آخرى.
ب- قيام حكومات متماسكة وفعالة وتفادي الآزمات الحكومية، لا سيما على ضوء التجارب الأخيرة إن على صعيد تشكيل الحكومات وسقوطها أو فعالية عملها.
ج- تمكين الناخب من محاسبة ممثليه والقوى السياسية عن أدائهم النيابي والسياسي وعدم التزامهم بوعودهم الانتخابية وقيام حوار حقيقي بينهم حول المسائل السياسية والانمائية التي تهم الناخب.
د- تجديد النخب السياسية عن طريق السماح للشباب والمرأة والقوى السياسية الصغيرة وفئات أخرى بالمشاركة بفعالية أكثر في الحياة البرلمانية وإيصال مرشحين لها في المناطق التي لها فيها وجود سياسي حقيقي وليس عن طرق ركوب «البوسطات»، والخضوع لمشيئة صانعي القوائم الانتخابية.
ه- التشجيع على قيام تحالفات وأحزاب وتجمعات سياسية حقيقية لا تقوم فقط على المصلحة الانتخابية الآنية التي قد تخلق منافسة ضمن الخط أو الحزب السياسي الواحد، بل على أساس التوجه السياسي والاقتصادي الاجتماعي.
فهل نظام التمثيل النسبي المطروح حالياً يؤمن هذه الاهداف؟

ان النسبية ليست الحل الأمثل في الواقع السياسي اللبناني الراهن

تمتاز أنظمة التمثيل النسبي أساسا ومن حيث المبدأ، بكونها تعمل على تفادي النتائج غير المرغوب بها لنظم الأغلبية، مما يجعلها صالحة لإفراز هيئات تشريعية تمثيلية بشكل أفضل. ففي كثير من الديموقراطيات الناشئة، وخاصة تلك التي تواجه انقسامات اجتماعية حادة، قد تصبح مسألة إشراك كل المجموعات والمكونات الاجتماعية شرطاً مفصلياً لا غنى عنه لتدعيم النظام الديموقراطي عامة.
في المبدأ تتلخص أهم مميزات النسبية بما يلي:
أ- تعمل النسبية على ترجمة الأصوات إلى مقاعد بدقة، متفادية بذلك بعض النتائج المترتبة على النظم الاكثرية الأقل عدالة (خاصة كما هو الحال في لبنان). وهو ما يزيد من قناعة الناخبين بالفائدة من المشاركة في العملية الانتخابية، وإن لأصواتهم تأثيرا حقيقيا من شأنه أن يحدث تغييراً فعلياً في نتائج الانتخاب، مهما كان ذلك التغيير متواضعاً.
ب- تحفيز قيام الأحزاب السياسية أو تشكيل التجمعات الانتخابية من قبل المرشحين المتقاربين فكرياً لتقديم قوائم من المرشحين للانتخاب. أما في لبنان فإن تشكيل القوائم الانتخابية ما زال يتم بناء على معايير أخرى يتداخل فيها العامل الشخصي بالعشائري والمالي وغالباً على حساب التقارب السياسي.
ج- مساعدة قوى الأقليات الدينية أو العرقية - عند وجودها - في الحصول على تمثيل لها. علماً ان تمثيل الطوائف والأقليات في لبنان مؤمن حالياً بنص القانون، مما ينفي اية فائدة من اعتماد النسبية لهذه الناحية، إذ قد يكون اعتمادها أكثر فعالية وضرورة في حال إلغاء نظام الكوتا الطائفية مستقبلاً وليس قبل ذلك!
د- الحد من نمو ما يعرف بالإقطاعيات المحلية. وذلك لكون النسبية تمنح الأحزاب الصغيرة فرصة الحصول على بضعة مقاعد، خاصةً تلك التي لا تتمركز قواعدها في مواقع جغرافية محددة ومحصورة ولا تملك وسائل بديلة للحصول على تمثيل لها. إلا ان هذا الأمر يبقى مشكوكاً به في وضعنا اللبناني لأن الاقطاعيات الطائفية التقليدية والجديدة سيكون لها الدور الأكبر في تشكيل القوائم الانتخابية وترتيب المرشحين عليها.
إلاّ ان لنظم التمثيل النسبي مساوئها كذلك عامة وفي لبنان تحديداً، وأهمها كونها تميل إلى إفراز حكومات ائتلافية وتعمل على شرذمة الأحزاب السياسية. أما أهم الانتقادات الموجهة عادةً لهذه النظم فتكمن في كونها تقود إلى:
أ- نشوء حكومات ائتلافية لا تتمتع بقدر كاف من الخلفية المشتركة سواء في ما يتعلق بسياساتها أو بقواعدها الشعبية، تفضي بدورها إلى اختناقات في سير الأعمال التشريعية وما ينتج منه من عدم القدرة على تنفيذ السياسات المتماسكة. وتزداد خطورة الوقوع في ذلك خاصة في حالات ما بعد الصراع والمراحل الانتقالية كما في لبنان، حيث تكون تطلعات الشعب للإنجازات الحكومية في أوجها. وهذا ما خبرناه تماماً في الوضع اللبناني بظل النظام الانتخابي الحالي، فكم بالحري مع النسبية؟
ب- حصول انقسامات وتشرذم في الاحزاب والتحالفات السياسية تمس باستقرار النظام السياسي بسبب عدم تطور النظام الحزبي السياسي في بعض الدول كلبنان، اذ قد يُفسَح المجال أمام الأحزاب الصغيرة لاستنزاف الأحزاب الكبيرة ودفعها إلى تقديم التنازلات الكبيرة لدى تشكيل حكومة ائتلافية فتحصل على حصص من السلطة لا تتناسب مع حجمها وقوتها الحقيقية. ففي إسرائيل على سبيل المثال، تلعب الأحزاب الدينية المتطرفة الصغيرة دوراً مفصلياً في تشكيل الحكومات، بينما عانت إيطاليا لسنوات طويلة من تقلبات مستمرة وانعدام في استقرار الحكومات الائتلافية المتعاقبة.
ج- تسهيل ظهور الأحزاب المتطرفة، إذ كثيراً ما تُنتقد نظم التمثيل النسبي لكونها تفسح المجال أمام الأحزاب المتطرفة بالحصول على تمثيل برلماني. فقد رأى الكثيرون أن أحد الأسباب خلف انهيار جمهورية فايمار Weimar في ألمانيا يعود إلى كيفية إعطاء النظام الانتخابي النسبي الفرصة للأحزاب المتطرفة (لا سيما النازيين) للحصول على موطئ قدم لها في السلطة.
د- عدم قدرة الناخب على المحاسبة من خلال حجب ثقته وإقصاء مرشح أو حزب ما عن السلطة. حيث قد يكون من الصعب بمكان إقصاء حزب أو مرشح من السلطة في ظل نظم التمثيل النسبي القائمة على اللوائح ضمن دوائر واسعة نسبياً، على الرغم من تراجع أدائهم الانتخابي والسياسي.
ه- الصعوبات التي قد يفرضها التطبيق لا سيما في ظل توزيع طائفي ومناطقي للمقاعد النيابية كما في لبنان، سواء بالنسبة للناخبين وقدرتهم على فهم بعض تفاصيل النظام، أوبالنسبة للإدارة الانتخابية في تطبيق قواعده المعقدة أحياناً مما يتطلب مزيد من التوعية والتدريب. وخاصة أن النسبية في وضعنا اللبناني تتحول الى نظام أكثري بين المرشحين من طائفة واحدة او قضاء واحد، مما يفقدها مبرر وجودها.
و- والأهم من ذلك كله في وضعنا اللبناني، ان النسبية لا تُلغي ما يُعرف «بالمحادل» أو «البوسطات» الانتخابية كونها تستند الى الترشيح على أساس اللوائح الموسعة، بل تؤدي فقط الى تقاسم «الجبنة» الانتخابية بين بوسطتين أو ثلاث بحسب الدوائر، دون أن يؤدي ذلك الى تغيير حقيقي في النتائج العامة للانتخابات على الصعيد الوطني. هذا ناهيك عن صعوبة إدخال نخب جديدة الى البرلمان بالنظر للمعايير المعتمدة في تشكيل القوائم الانتخابية والتي ستزيد حدة مع النظام النسبي بالنظر لأهمية ترتيب المرشحين ضمن القوائم الانتخابية خاصة في حال اعتماد القوائم المقفلة. كما ان هذه المنافسة ضمن اللوائح الواحدة ستزداد إذا تم اعتماد الصوت التفضيلي vote préférentiel الذي سيتحول الى نوع من «التشطيب الايجابي» بين القوى السياسية المتحالفة ضمن اللائحة الواحدة.
من هنا، ولأجل تفادي هذه المساوئ والوصول الى ذات الميزات والفوائد التي غالباً ما يُسعى اليها من خلال النظام النسبي، يقترح الحزب اعتماد نظام الانتخاب الاكثري ضمن الدائرة الفردية على دورتين، باعتباره الانسب للبنان في المرحلة الراهنة.
(يتبع جزء ثان)
 

← العودة إلى مختارات