Hier encore - سمير عطالله (النهار)
صيف 1957 وصلت الكهرباء الى القرية وبدأ عالم جديد. أُبعِدَت القناديل، وشحّها الحزين، وظلالها الناعسة، ولم يعد لها مكان إلا في اغاني فيروز، شهادة على زمن ضوء القمر، الذي كانت تُترك له النوافذ مفتوحة من اجل سحره، ومن اجل ان يطل منها، عابرا، سحر الصبايا العائدات من العين، فلا تعود تعرف إن كان القمر أمام النافذة ام خلف الجبل.
انطوى مع وصول الكهرباء عصر العتم والكاز وحطب السنديان. واعلن توماس اديسون وصوله الى الخلة والغبيط والحارة. ليس فقط بالضوء، بل بالصوت ايضا. وتحوّل الفونوغراف في البيوت الى "سكاملا" اضافية، فيما صارت اغنية "مالاغينيا" تأتي من "بيك آب" لا بوق له ولا تعبئة يدوية. انتهى الامر، انتقلنا من عصر الى عصر. من النار الى النور. من بطء القنديل الى سرعة الضوء.
كان هذا في بلد يشير اليه الاوروبيون على انه سويسرا الشرق ويسمون عاصمته الصغيرة باريس الشرق. ذات مساء في الرحلة من جنيف الى لندن فتح القبطان الميكروفون وقال للركاب باقتصاد سويسري: الى اليسار، اضواء باريس! فأما اضواء بيروت، فمثل قمر القرى، كانت في الارض وخلف الجبل. لكي تعرف ماذا اعني يجب ان تسهر على شرفة ادمون رزق في جزين، يوم قمر مشغرة بدرا. من اجل ذلك اسكرت فيروز الارض لما هتفت لفخر الدين: يا قمر مشغرة، يا بدر وادي التيم. هل قرأت وصف لامارتين للأمير؟
رجاء. يجب ان تفهم مشاعرنا، اهل 1957، يوم نرى في نهاية العقد الاول من الالفية الثالثة، ان الدولة مهددة بالسقوط في جدل حول انتشال لبنان من العتم الذي ضربه منذ الحرب. يصعب علينا ان نشرح لاولادنا، او للسادة سفراء الدول، وفي طليعتهم مندوبو شبه القارة الهندية، والقرن الافريقي، وجزر الفيليبين، وموريشيوس، ومدغشقر، اننا غارقون، على ضوء الموتورات، في البحث عن حل للكهرباء.
يستحيل ان نفسر. ثم من قال إننا في حاجة الى كهرباء؟ لقد امضينا عقودا الآن، لم نعد نفرّق بين الظلم والظلام، عتم العقول وعتم القلوب. على ضوء اي مصباح كتب لنا جورج خضر، ان الايمان يقضي بأن ينزل العقل الى القلب، لكي يغتسل بالمحبة؟
غريب هذا البلد. توتر في كل شبر، وتوتر عال على الكهرباء وهي ميتة، غافلة، ونسيت ان في الدنيا بلدانا لا تزال تدفع ثمن العتم. في مذكرات يوسف سالم، مدير مصلحة المياه ايام الانتداب، يقول المهندس العائد حديثا من باريس للمفوض السامي:
ليس من حقك اعطاء الاوامر، في مسألة تتعلق بحياة الناس. انت اليوم هنا وغدا لا ندري اين تكون، لكن الشعب اللبناني هنا اليوم وغدا وابدا. انت ابق في حظوتك السياسية، واترك لنا تدبير ضرورات الحياة. لن يعطش اللبنانيون من اجلك ولا من اجل سواك.
على ان هذا كان، دونما حاجة الى الاشارة، في زمن الانتداب، يوم قال ألفرد نقاش للمندوب السامي: كيف تطلب من قاض ان يصبح رئيسا للجمهورية، ألا تعرف ان القضاة لا يتعاطون السياسة؟ كان في المانيا بيت منفرد في اعالي بافاريا يذهب اليه ساعي البريد مرتين في الاسبوع. فكر المسؤولون في ان هذا كثير على بيت واحد، بريده قليل في اي حال. لكن اهل اقرب قرية هبوا ليسألوا، كيف يمكن ان نحرم مواطنا خدمة البريد بسبب المسافة؟ الحل؟ قرروا ان يكتبوا اليه جميعا، كل يوم رسالة، اولاً لإبقاء الخدمة، وثانيا لدرء الشعور بالوحدة. حق الفرد الأعزل مثل حق الفرد العازل.
يسمي سيدنا خضر هذا في نصاعته الروحية: نزول العقل الى القلب. للاغتسال. كانت بيروت لؤلؤة على المتوسط وخلجانها الصغيرة، المتلاحقة، مسابح للضوء. صغيرة. اجل كانت صغيرة. لكنها كانت كفية وسعيدة ومنصفة الى حد بعيد. وكم هو مظلم ان تكون اليوم قضيتها الكهرباء فيما يمر الشرق من حولها في ما كان ترفها منذ قرن: الدستور والحريات والصحافة والتقدم والحداثة. وخصوصا النور. ولا يبلغها. ولا مبلغها.
منذ ان اقتلع القذافي من بنغازي، صدرت في المدينة عشرات الصحف التي كانت تنتظر يوم يغيب. وفي تونس اعطيت رخص لنحو سبعين حزبا. وهذه كلها كانت بديهيات طوعية في لبنان منذ خرج جمال باشا بجزمته اللماعة ليموت عميلا مشردا في بلاد القوقاز. نحن في تناقض تاريخي مخالف كليا لطبيعة الحياة. الناس تموت من اجل الحرية، والقانون، والحياة المدنية، فيما الهيكل اللبناني يتخلخل في اهتراء مطرد. احد اعداد "النهار" الاسبوع الماضي كان مخيفا، من دون تعمد: صفحة عن تلوث البحيرات، واخرى عن تلوث الاجواء والبحر، واخرى عن التلوث الاكبر: الانفس المتعجرفة والعقول التي لا تمر على القلوب للاغتسال.
أول خطوة بدأ بها فؤاد شهاب عهده كانت مد الكهرباء الى كل زاوية معتمة في البلد الذي تبلغ مساحته، وفقا للحسابات الاولية، 10452 كيلومترا مربعا. هل نستحق ان نخسر باقي الارض وبقايا الدولة من اجل العودة الى عصر الضوء؟ أليس مضحكا ان نحلم بالتخلف نصف قرن لكي نعود الى مفهوم فؤاد شهاب لحقوق البشر وواجبات الدولة؟ كيف كان يمكن ان نواجه الذين عرفوا لبنان، لو ان الحكومة سقطت في خلاف حول الانارة بعد نحو قرن ونصف قرن على لمبة اديسون، وبعد 2700 عام على بدء البحث في الكهرباء؟
يرسم حبيب حداد في "الحياة" (عدد الخميس) مسألة الكهرباء في اتحاد الجمهوريات اللبنانية على شكل لمبة صارت حامضة معصورة. لم يبق إلا القشرة. لعلها ايضا صورة البلد، حامضاً او مراً او لا تلقي اليه إلا العلقم، لكنه لا يستسلم لليأس ولا لعقوق الابناء ولا لضلالهم. سواء عادوا ام لا. يكفيه عليهم ما يأتي اليه من نازحين، كأنما خلق ليكون هذا قدره: يستقبل النازحين ويهجّر من فيه.
كان يأتي شارل ازنافور الى بيروت، في زمن الكهرباء، ويتمشى وحيدا في باب ادريس وسوق الطويلة، متمتعا بدفء المدينة. كل اسبوع كان يجيء اليها احد يعلق على صدره نجمة العالمية. وكان امرا عاديا ان يأتوا. وكان بيار براسور يأتي كل صيف. وفي الصيف الذي لم يأت قيل إنه كان يصور فيلم "اجمل امسية في حياتي" وفي المشهد الاخير هوى قبل ان يأتي المساء.
الاربعاء الماضي ذهبت الى "الاولمبيا" لأحضر شارل ازنافور المولود 1924، تعبنا بعد ساعتين وظل اشهر ارمني في العالم يملأ كاتدرائية الصوت شعرا وموسيقى. أبكانا، ابن السابعة والثمانين، وهو يغني Hier encore، ذاراً في عيوننا رماد الزمن الجميل، يوم بيروت حلم لا عتم، أبكى كل الحشود، التي جاءت، وكل واحد منهم يحمل معه إناء من باب ادريس. ولكن لا مجال لاستعادة الزمن وتصويب ما مضى، يغني هذا المشرد الباريسي الذي كرس عمره لخدمة أرمينيا.
وضع الرحابنة "حنا السكران" عن أرمني كان يجلس في ساحة انطلياس ويبكي "خذوني الى يريفان". أبكى ازنافور حشوده، وهو يأخذها الى يريفان. تذكرت أرمننا هنا، الذين كنا نتأمل ان نتعلم منهم الصناعة والمهارة وقداسة الارض، فإذا بهم يصيرون مثلنا، كتلا وفرقا وجماعات.
ربما، في اللاشعور، لم اذهب لكي اصغي الى ازنافور. ولم اتكبد انتظار السوق السوداء من اجله، ربما انني ذهبت كي استعيد بيروت، التي كان يتمشى فيها وحيدا، يتأمل حجارة سوق الطويلة وثمار سوق الافرنج وصبايا الشعر الطويل. يوم بيروت مدينة النور، يغبطها العرب والعجم، على انها ملتقى الحضارات، وتقاطع دروب الايمان، ومطبعة الشرق، وبرج التيارات، ومدار الشعور القومي وصحف المعركة، وشارع العرب المفتوح غير المقموع، ومنبر المنفيين وملاذ الهاربين.
هل كان كل ذلك كثيرا على مدينة واحدة؟ حولوا المنبر الى مشتمة والساحة الى حلبة والحرية الى جدران ملطخة بالدماء والتلاقي الى خنادق ومدار الشعور القومي الى دوار لمشاعر الكره والحقد. وسامحونا على الذهاب الى ازنافور لكي نتذكر الامس ونندم معه على ما مضى، وفي حسرة نتساءل مع انسي الحاج "ماذا فعلت بالوردة، ماذا صنعت بالذهب؟".