إلى المحتوى
حركة التجدد الديمقراطي
مختارات/

دمشق تغلي وطهران تناور - عبدالله ناصر العتيبي (الحياة)

يبدو أن العلاقات الإيرانية - السورية تمرّ بمنعطف تاريخي نتيجة للاحتجاجات الشعبية المتصاعدة في مدن سورية وقراها منذ أشهر عدة. ويبدو، ثانية، أن هذا المنعطف سيحمل عربة هذه العلاقات إلى طريق غير متوقع خلال الأسابيع المقبلة. ويبدو، ثالثة، أن الاتصالات التي تجرى الآن بين البلدين تحت السطح تتم بكثافة كبيرة، الأمر الذي جعل الإيرانيين مرتبكين ومترددين جداً حيال موقفهم مما يحدث في سورية!

 

قبل أيام قال الرئيس الإيراني محمود أحمدي نجاد في لقاء أجرته معه شبكة راديو وتلفزيون «بورتوغيزا» البرتغالية إن على النظام الحاكم في سورية أن يفتح حواراً مع المعارضة لإخراج البلاد من أزمتها الحالية، مضيفاً أن الحل العسكري ليس هو الحل الصحيح أبداً. فيما صرّح وزير خارجيته علي أكبر صالحي في نهاية الشهر الماضي قائلاً إن على الأسد أن يستمع لمطالب شعبه.

بعد هذين التصريحين المفاجئين، تراجع الرئيس نجاد عن دعوته لفتح الباب أمام حوار بين الحكومة السورية والمعارضة عبر توضيح لوكالة الأنباء الإيرانية أكدت فيه أن تصريحات الرئيس السابقة تعرضت للتحريف بفعل فاعل، وبينت أن الرئيس قال في رده على سؤال حول ما يجري في سورية إن المشكلات القائمة ينبغي معالجتها من الحكومات والشعوب، وشدد على أن تدخل قوات حلف الأطلسي العسكرية لا يحل المشكلة، وأوضح أن التهديدات الأميركية لسورية هي تدخّل صارخ في شؤونها الداخلية، مؤكداً أن هذا التدخّل ليس لمساعدة الشعب السوري بل لإنقاذ الصهاينة ومصالح أميركا!

ثم عاد من جديد يوم الخميس الماضي ودعا، خلال لقائه وفداً صحافياً كويتياً، إلى اجتماع إسلامي يضم دولاً إسلامية تكون قادرة على مساعدة سورية في حل مشكلاتها بعيداً من أي تأثير خارجي.

وقال وزير خارجيته صالحي خلال لقائه الوفد الكويتي إن إيران مهتمة بسورية ومستعدة لحمايتها ودعمها لأن انهيارها - كحلقة مهمة - يعني انهيار سلسلة المقاومة، وأكد من جديد أن الحراك الشعبي الذي تشهده سورية يستلزم ضرورة تلبية مطالب الشعب في أسرع وقت ممكن.

هذه التحولات في التصريحات لأهم مسؤولين إيرانيين خلال الأيام القليلة الماضية فتحت باباً كبيراً للتكهنات عما ستؤول إليه علاقة إيران مع أهم حليف لها في المنطقة العربية، وأكدت أن الإيرانيين واقعون تحت ضغط الوقت الذي ليس في مصلحتهم، إذ إن الثبات على موقف واحد في وضع متغير، قد يضع طهران في النهاية في قلب عواصف داخلية وخارجية يصعب الخروج منها.

الموقف الإيراني من الثورة في سورية كان في البدء واضحاً وقوياً وداعماً للنظام السوري ضد ما سماه المسؤولون الإيرانيون حينها مؤامرة أجنبية تهدف إلى تقويض حال الممانعة التي تقف بشموخ ضد الهيمنة الصهيوأميركية، لكنه تحول في الأسبوع الماضي إلى السعي إلى مصالحة النظام (الشرعي) والشعب السوري المطالب بحقوق مشروعة! ثم تراجع قليلاً بعد ضغوط سورية ربما، إلى منتصف المسافة بين الموقف الأول والأخير، وأظنه سيتحول أيضاً خلال الأيام المقبلة إلى شكل يدعم واحداً من الاحتمالات الأربعة الآتية:

الأول، إن طهران قد تكون بهذا الخروج المفاجئ عن عقيدة السياسة الإيرانية الخارجية تسعى إلى تخفيف الضغط عن نظام بشار من خلال خلق متنفس شرعي إقليمي (اجتماع إسلامي) يستطيع بشار من خلاله المناورة وكسب المزيد من الوقت، وبالتالي تزيد فرصه للقضاء على الثورة الشعبية.

وقد تكون طهران، كاحتمال ثانٍ، بدأت في العمل على التخلي عن نظام بشار فعلياً بعدما تأكد لها أن سقوطه حاصل لا محالة، فعمدت إلى مغازلة الشعب السوري لتضمن لها مكاناً في خريطة السياسة الخارجية السورية المقبلة. ربما أن طهران عرفت متأخرة أن دعم نظام بشار حتى سقوطه قد يرمي بمستقبل الإيرانيين في المنطقة بعيداً، وبالتالي يحرمهم من أوراق لعب ظلوا يزايدون عليها كثيراً خلال السنوات الماضية.

وربما، كاحتمال ثالث وإن كان ضعيفاً، أن هذا التحول في الموقف تجاه سورية قد جاء من أجل لفت نظر الدول الغربية، خصوصاً أميركا، وبالتالي تكون الحال السورية جسراً لدعم محاولات إيران فتح خطوط تفاهم مع أعداء الأمس من أجل مستقبل أفضل!

والاحتمال الرابع أن هذا الموقف إنما جاء للحفاظ على مرجعية القيادة الدينية الإيرانية داخلياً، واستباقاً لانقلاب الرأي العام الإيراني ضدها، كونها اختارت الوقوف مع نظام يقف موقف العداء من شعبه.

سورية تغلي، وإيران تناور، والأيام حبلى بالمفاجآت.

← العودة إلى مختارات