إلى المحتوى
حركة التجدد الديمقراطي
مختارات/

أية استراتيجية للطاقة في لبنان في ضوء التحولات العالمية الكبرى؟ - حبيب معلوف (السفير)

لا يستطيع لبنان الذي يضع ملف الكهرباء بندا أساسيا على جدول اعمال جلسات حكومته، ان يناقش مسألة «تأمين الكهرباء» في لبنان بمعزل عن استراتيجية وطنية للطاقة عموما وضمنها قطاع الكهرباء (تعتمد اولا على قدرات لبنان الطبيعية) وبمعزل عن رصده لاتجاهات الطاقة العالمية. وذلك لكون أي خيار يتعلق باختيار مصادر هذه الطاقة او التكنولوجيا المرتبطة بها، يفترض ان يكون بعيد المدى اولا، وناجما عن دراسة متأنية للاسواق العالمية المرتبطة بالقطاع ثانيا، وبعد رصد سياسات الدول، ولا سيما الكبرى منها ثالثا.
في آخر التطورات العالمية التي ستحدد سياسات الطاقة العالمية المستقبلية، وبعد الخيار التاريخي لبلد صناعي متقدم مثل المانيا بالتخلي عن الطاقة النووية العام 2022 والاعتماد على الطاقات المتجددة كبديل (راجع «السفير» 9/8/2011)، يبدو ان الولايات المتحدة الأميركية التي تشغّل اكبر عدد من المفاعلات النووية في العالم، تسير في الطريق نفسه. كما ان فرنسا، التي تعتبر اكبر بلد في العالم يعتمد على الطاقة النووية لتوليد الكهرباء، تسير على الطريق نفسه، أثناء مناقشتها لإستراتيجيتها الجديدة المتعلقة بتأمين الطاقة، مع توجه لزيادة دعمها للطاقات المتجددة أيضا.
كما تكشف التقارير التي أنجزت قبل الكارثة النووية الأخيرة في مفاعل فوكوشيما الياباني، والتي نشرت بمناسبة الذكرى الـ25 على كارثة تشرنوبيل النووية، عن تراجع الصناعة النووية في العالم بشكل كبير في السنوات الأخيرة.
وقد استعانت منظمة غرينبيس مؤخرا، إحدى وثائق ويكيليكس من العام 2009، لكي تؤكد صعوبة ان تفي بعض الدول الناشئة كروسيا بتعهداتها النووية ولا سيما مع إيران وبعض الدول العربية... مما يعني ضرورة إعادة تقييم ودراسة وضع الطاقة في العالم والمنطقة العربية ولبنان، على ضوء هذه التطورات.
فإذا كان التوجه العالمي بات يميل الى الاستغناء عن الطاقة النووية والتحول الى الطاقات المتجددة كبديل، فهذا يعني ان موازنات كبيرة ستصرف على تطوير هذه الطاقات، وعلى لبنان ان يبدأ بتحضير نفسه استراتيجيا وسياسيا وتشريعيا لتلقف هذا التوجه باكرا، والإعداد لإستراتيجية جديدة لا تعطي الأولوية للتنقيب عن النفط والغاز(هذا الخيار الذي ينطوي على مخاطر كثيرة نناقشها لاحقا)، بل لتشجيع إنتاج الطاقات المتجددة المتوفرة في لبنان، وإعداد التشريعات اللازمة سريعا، لتسهيل تصنيع المعدات اللازمة وتسهيل الاستثمار في الشمس والهواء والماء، كمصادر متوفرة ومستدامة وذات جدوى بيئية واقتصادية مهمة لبلد مثل لبنان.
فماذا في التطورات العالمية والإقليمية الأخيرة حول ملف الطاقة والتي يفترض ان يرصدها خبراؤنا جيدا قبل تقديم «الاستشارات» الى السياسيين الذين يتصارعون الآن على مناقشة «خطة كهرباء» سرعان ما قد يتجاوزها الزمن قبل أن تقر؟!
تعتمد الولايات المتحدة الأميركية (التي ستصبح البلد الثاني في العالم في استــهلاك الطــاقة بعد الصين) علـى الفحم الحــجري لتــوليد الطـاقة بنسـبة 52 % و 20% على الطاقة النـووية.
صحيح ان اكـــبر عدد من المفاعلات النووية في العالم موجود في الولايات المتحــدة الأمــيركية (104 مفاعلات)، الا ان عمر هذه التقنية قــديم جدا ويعود الى السبعيــنيات.
ولم تطور الولايات المتحدة الاميركية هذه التقنية، بخلاف ما هــو شائع، لا بـــل يمكن القول «ان الطاقة النووية لم تعد على أجندة سياســـات الطاقة المستقبلية في الولايات المتحدة الأميركية مــنذ زمن بعيد»، بحسب احد خبراء الطاقة النووية في الولايات المتحدة الأميركية من اصل لبناني، الذي فضل عدم ذكر اسمه.
فآخر مفاعل تم تشغيله في الولايات المتحدة الأميركية كان العام 1984، وبعد هذا التاريخ لم يتم تصميم أي مفاعل جديد. والمعلوم ان المفاعــلات التي تحتاج لاكلاف عالية للتصميم والتجهيز والتــشغيل ووضع وتطوير نظم الأمان، تتراوح بين 30 و40 مليار دولار أميركي، تحتاج ايضا، بعد الدراســة والتصميم والترخيص، الى ما لا يقل عن 12 سنة للإنــشاء والتـشغيل. وهــذا يعني ان احدث ترخيص منح للمفاعلات النووية الأمــيركية يعود الى السبعينيات وهي لم تعد تصلح للعــصر الحالي ولا سيما بعد حادثة فوكوشيما الأخيرة.
واذا كان عمر المفاعل النووي الوسطي هو بين 30 و40 سنة، ويمكن تمديد عمره بين عشر سنوات وعشرين سنة كحد أقصى، عبر تطوير وتحديث أنظمة التحكم، فإن ذلك يعني ان عمر معظم المفاعلات في الولايات المتحدة الأميركية قد أصبــح قريبا جدا من نهايته، من دون ان تبرز سياسات وتوجهــات جديدة لإنشاء مفاعلات جديدة، تحتاج كما أسلــفنا الى أكـثر من عشر سنوات للإنشاء والتشغيل. وهذا يعني ان الولايــات المتحدة الأميركية تتجه للاستغناء عن الطـاقة النووية تدريجيا، من دون الإعلان عن ذلك صراحة.
ويقال أيضا ان اليسار الأميركي الذي يدعم الرئيس اوباما، لا يحبذ ان يتم تطوير الطاقة النووية في الولايات المتحدة الأميركية، وهو يضغط عليه دائما لمنح الطاقات المتجددة الاهتمام والدعم الأكبر.

استراتيجية فرنسية جديدة ومتجددة

اما في فرنسا، البلد الأكثر اعتمادا على الطاقة النووية لإنتاج الكهرباء في أوروبا والعالم (بنسبة 75%) تدور نقاشات ساخنة جدا ما بعد كارثة فوكوشيما حول كيفية الخروج من النووي.
وقد أظهرت نتائج المباحثات الإستراتيجية الفرنسية التي كشــفت عنها جريدة «الموند» الفرنسية مؤخرا، ان الاعتـماد على الطاقة المتجددة البديلة عملية مكلــفة جدا (بالمقارنة مع كلفة الطاقة النووية) وقد تطول، وأن لا حلول على المدى القريب الا في زيادة الاعتماد على الطــاقة الاحفورية التقليدية، وبالتالي زيادة انبعاثات الكربون المشــكو منها عالميا. ومقارنة مع التوجه الألماني للخروج من النووي العام 2022، يؤكــد الخـبراء الفرنســيون ان الخروج من النووي في فرنسا مستحيل في عشر سنوات. ولذلك هناك اقتراح لتخفــيض الاعتــماد على النووي بنسبة 50% حتى العام 2022 مع التعهد بالبــدء بإقفال المفاعلات النووية القديمة أولا (هناك 16 مفاعلا لا يزال لديها عمر تشغيلي 30 سنة).
تأخذ إستراتيجية الخروج الفرنسية بالاعتبار عمر المفاعلات وتقييم المخاطر الزلزالية والجفاف والانطلاق من قاعدة ثابتة تقول «ان حياة المفاعل يجب ان تحدد بعمر 35 سنة فقط ووقف كل مشاريع المستقبل». كما توصي الاستراتيجيات الجديدة بأن تدعم الحكومة الأبحاث المتعلقة بالطاقات المتجددة لتطويرها. وبما ان هذه الطاقات المتجددة متقطعة وغير دائمة، توصي الاستراتيجيات الجديدة بأن تتوجه التكنولوجيا الى كيفية تطوير تخزين هذه الطاقات، بالإضافة الى اعتماد سياسات خفض الاستهلاك ووقف الهدر وتحديث شبكات النقل.

الصناعة النووية تعاني من الجمود

في الإطار نفسه، أفاد تقرير حديث نشره المعهد الأميركي لشؤون البيئة (World Watch) بمناسبة مرور خمس وعشرين سنة على كارثة «تشرنوفيل»، ان الصــناعة النووية تــمر في حالة جمود، بــل هبــوط؛ منـذ ما قبل حــدوث كارثــة فوكوشيــما فـي الـيابان.
وأشار خبراء الطاقة الذين أعدوا التقرير، إلى أنه في بداية شهر نيسان الماضي كان عدد المفاعلات الذرية في العالم 437؛ أي أقل من سبعة مفاعلات بالمقارنة مع بداية العقد الحالي.
وخلال الشهر ذاته، بلغ عدد المفاعلات العاملة في الاتحاد الأوروبي 143؛ في حين كان عددها 177 في أوج النشاط النـــووي في القارة الأوروبية. كما أن نسبة إنتاج الكهرباء من المفاعلات الذرية هـــبط في الســنوات الأخيرة إلى 13% من إجمالي إنتاج الكهرباء في العالم.
وحاليا، يقدر متوسط العمر الافتراضي للمفاعل الذري في العالم بـ 26 سنة، إلا أن بعض الجهات في الصناعة الذرية تدعي إمكانية تمديد هذا العمر. وأشار التقرير إلى أن الحكومات، وإثر كارثة فوكوشيما، تدرس إمكانية إطالة عمر المفاعلات.
ولا تعتبر الكوارث أو الأعطال الفنية السبب المباشر في تباطؤ تطور الصناعات الذرية. بل يكمن السبب في الصعوبات التكنولوجية والاقتصادية المتعاظمة التي تسببت في بعضها الزيادة الكبيرة في قيود وشروط الأمان والترخيص لإنشاء المفاعلات، إثر كارثة تشرنوبيل. ونوه معدو التقرير إلى أن عدد المفاعلات قيد الإنشاء (التي لا تنتج الكهرباء بعد) ازداد في السنوات الأخيرة؛ وذلك بسبب الدخول المتأخر لبعض الدول في مجال النشاط النووي، وليس بسبب توجه عالمي. وذكر التقرير بأن العديد من المفاعلات لا تزال تصنف منذ أكثر من عشرين عاما بأنها «في طور البناء»؛ إذ تتكرر باستمرار العقبات المعيقة لإنجاز تشييدها.

الدعم الحكومي

وبالمقارنة مع الطاقات المتجددة، أفاد التقرير بأن أحد أهم الأسباب لكون إنتاج الكهرباء من الطاقة الذرية أرخص، هو الدعم الحكومي للكهرباء المنتجة من الطاقة النووية، علما بأن هذا الدعم كان، في السنوات الأخيرة، أكبر بكثير من الدعم المقدم لإنتاج الكهرباء من طاقة الرياح على سبيل المثال، بالإضافة إلى أن الاستثمارات الحكومية في مجال بحث وتطوير الطاقات النووية أكبر بكثير.
وقد تبين أن الزيادة في الكهرباء من مصادر متجددة مثل الشمس والرياح، كانت في بعض الدول أكبر من الزيادة من مصادر المفاعلات النووية.

← العودة إلى مختارات