تمديد الربيع - أمين قمورية (النهار)
بنغازي فجرت الثورة وطرابلس جاءت بالنصر النهائي. وهكذا عاد شرق ليبيا ليتحد مع غربها وليسقط مشروع التقسيم الذي كان يخشاه كثيرون. فلولا انتفاضة اهل طرابلس ومطاردتهم لكتائب القذافي "زنقة زنقة" لما حدثت المفاجأة التي لم يكن يتوقعها حتى الثوار انفسهم.
كان يقال ان الثورة الليبية هي انتفاضة اهل الشرق وقبائله على تسلط القذاذفة والقبائل المتحالفة معهم من ابناء الغرب على كل المقدرات الليبية وتهميش ما عداهم، وتاليا فان هذه الثورة كان يتوقع لها الا تتخطى بنغازي وبعض الجيوب المتفرقة جنوبا ووسطا، وان تشطر ليبيا شطرين. لكن ثورة طرابلس في اللحظة الحاسمة على حاكمها اسقطت نظرية ان الانقسامات العمودية في المجتمع الواحد تحول دون التغيير الشامل (والتي تتبناها اليوم انظمة اخرى وتتذرع بها لتبرير تسلطها)، واثبتت ان الشعب الليبي من نسيج واحد وان معاناته واحدة ويكابد الظلم نفسه والاستبداد عينه. فارتكابات القذافي وكتائبه في حق ابناء القبائل والمناطق التي يفترض انها موالية له لم تكن ارحم من ممارساته في حق ابناء القبائل والمناطق التي وصفها بانها "خائنة". ولعل جردة اولية لارقام ضحايا القمع القذافي تظهر ان عددها في المناطق الموالية كان اكبر بكثير من امثالها ممن سقطوا في المناطق "الخائنة". وربما هذا ما يفسر سر الانتفاضة الطرابلسية الساحقة.
بسقوط العقيد لن يسجل فقط رحيل زعيم عربي ثالث بانتفاضة شعبية، بل تكمل به ثورتا تونس ومصر انتصارهما. فالديموقراطية الموعودة في هذين البلدين المجاورين لن تقوم وتزدهر في ظل ديكتاتورية متسلطة على حدودهما. ولعل المستفيد الاول اذا استقرت الامور في ليبيا واستقامت بالديموقراطية، هو اليد العاملة التونسية اولا ثم المصرية والتكامل الاقتصادي بين البلدان الثلاثة، ذلك ان لدى ليبيا ما يفيض من الموارد والخيرات وهي تحتاج الى طاقات كبيرة تشاركها في اعادة بنائها وتأهيلها فلا يبتلعها التصحر السياسي والاقتصادي.
العلة الوحيدة في الثورة الليبية، انها كانت بمساعدة اجنبية، مع ان التدخل الخارجي لم يكن فعالا في المحطة الطرابلسية الاخيرة والحاسمة... ومع ذلك فان من شأن انتصارها تمديد الربيع العربي بعد النكسات التي اصابت انتفاضاته بالعسكرة والعنف والفوضى.
واذا كانت عسكرة الانتفاضة الليبية شكلت كابحا لغيرها من الانتفاضات العربية، وبعثت الخوف والتردد في نفوس الشباب الذين دغدغت احلامهم نجاحات اترابهم التونسيين والمصريين في إحداث التغيير المنشود بالوسائل السلمية، واعطت مبررا لبعض الانظمة في استسهال استخدام العنف المجنون والدموي لقمع الاحتجاجات الشعبية السلمية عليها، فان انتصار الشعب الليبي على الطاغية والسلاح معا، سيكون ولا شك كابوسا مرعبا ونذير شؤم للانظمة الامنية الباقية، وسيعطي الربيع العربي المدد اللازم لاكتمال عقده.