الأنظمة العربية وقضية البديل الإسلامي المتطرف - سعود المولى (المستقبل)
لم تكن الأحزاب موجودة في خضم الثورات العربية.. لم تكن الثورة أو الانتفاضة على جدول أعمال أي طرف سياسي لا اسلامي ولا يساري ولا قومي ولا علماني... ولم يكن سقف الأحزاب والشخصيات المعارضة ليتجاوز إجراء اصلاحات بسيطة قليلة وبخجل..الحركة الاجتماعية سبقتهم جميعاً...في تونس وفي مصر حاولت الأحزاب والمعارضة في البداية قطف الثمرة سريعاً "طالما أن أميركا والجيش معنا الآن"... ولكن الناس لم تغادر الميدان... وفي كلتا الحالتين ما تزال الأمور غير مستقرة ولا نهائية... ذلك أن الحركات الاجتماعية الكبرى في التاريخ سرعان ما تواجه معضلة التنظيم والقيادة والبرنامج الواضح والخطط المستقبلية والوحدة والصراع...
في تونس لم تستطع السلفية الجهادية أن تثبت أقدامها (على عكس الجزائر والمغرب وليبيا) بفضل وعي ووطنية حزب النهضة الإسلامي الذي أعلن رئيسه الشيخ راشد الغنوشي مبكراً (منذ عام 1992): "لقد تجنبنا الرد على عنف الدولة بعنف مضاد... وباءت بالفشل كل محاولات النظام لتوريط الحركة في هذا السبيل. ولذلك إذا كان من استقرار في تونس اليوم فإنما هو عائد إلى منهج المصابرة الذي توخته الحركة ودفع السيئة بالتي هي أحسن ورفض الاستدراج إلى العنف. هذا هو خيارنا الذي اجتمعت ولا تزال حوله غالبية أبناء الحركة. فمن لم يطق صبراً عليه فليبحث له عن سقف آخر بديل عن النهضة يقف تحته".
وفي مصر حدث التحول الكبير حين قامت الجماعة الإسلامية وتنظيم الجهاد بمراجعات شجاعة حقيقية وشفافة (بدءاً من عام 1998) أنهت حقبة التوتر والعنف ورسخت السلم الأهلي وأنجزت استقراراً كبيراً في المجتمع المصري؛ ما أضاف إلى موقف التيارين الإسلاميين الآخرين (الإخوان وشباب الوسط) وإلى المعارضة عموماً، قوة مدنية سلمية ديموقراطية شابة مجربة سمحت بمواجهة عسف السلطة وفسادها على قواعد جديدة تحمي المواطنة والتعددية والوحدة الوطنية... والتجربتان التونسية والمصرية (وهما تشبهان هنا التركية والإيرانية) تميزتا في الأصل بوجود نظام علماني حداثوي وطني، ودولة مركزية قوية ذات شرعية ثابتة وسيادة غير منتقصة وجيش وطني موحد (وكلها صمام أمان التنّوع الأقلوي)، تردفها ليبرالية بورجوازية مستقرة في مجتمع مديني غالب، ما يعني ضعف أو غياب العصبيات النابذة والمفككة للدولة... كما يعني في الوقت نفسه تغوّل الدولة على حساب المجتمع وخياراته.
وتجاوزت الأحداث قوى الحركة الإسلامية.. فقد سقطت التجربة الإسلامية في السودان وإيران في أتون التسلط الثوري والاستبداد الديني بعد الانقلاب على أهلها (من حسن الترابي إلى خاتمي - رفسنجاني- موسوي)... وفي العراق تحوّل الإسلام السياسي (حزب الدعوة الشيعي) إلى نظام حكم فاسد ديكتاتوري، يُعيد إنتاج الصنم البائد (ولكن المرة الثانية تكون عادة على شكل مسخرة والكلام لماركس)...وفي المغرب والأردن واليمن (وغيرها) لم يخرج التيار الإسلامي "الديموقراطي" عن إطار التنظير النخبوي والجامد للمواطنة والحقوق المدنية والتعددية، مع غلبة اللفظية الإسلاموية القومية الشعبوية والشعاراتية في خطابه... فلم يرتبط بديناميات الحراك السياسي الاجتماعي الفعلي للناس وهمومها... إذ كان همّه تقاسم السلطة...إذن غاب الإسلاميون (كما اليساريون والقوميون) عن ساحة الفعل الاجتماعي السياسي.
أما السلفية الجهادية القاعدية البن لادنية فهي كانت تتغذى وتستمر وتقوى من وجود هذه الأنظمة ومن غياب الناس عن ساحة الفعل السياسي والحراك الاجتماعي..وما أن تقوم الحركات الشبابية والاجتماعية حتى ينتهى أصلاً دور هذه السلفيات الجهادية التي وقع معظمها أصلاً في شباك مخابرات بعض الأنظمة العربية تستخدمه ضد خصومها كما حصل بالنسبة للقاعدة في العراق أو لفتح الاسلام في لبنان..وبالتالي فإن كل ادعاءات الأنظمة عن سلفيات وأصوليات ما هو إلا من قبيل استخدامها فزاعة لإبقاء دعم الغرب لهذه الأنظمة بحجة التقاء المصالح في وجه الارهاب..
الفايسبوك وما أدراك ما الفايسبوك؟
شهد العقد الأول من الألفية الثالثة للميلاد انحسار أشكال الاتصال والتواصل التي كانت تؤمنها الأحزاب ونواديها وصحفها..فجاء الانترنت ثم الفايسبوك والتويتر ليسد الفراغ في آليات وأشكال الإتصال والتواصل بين الأجيال الشابة من خلال العالم الافتراضي للتواصل عن بعد..
وفي حين رأى قدامى اليساريين والقوميين في الفايسبوك مؤامرة صهيونية إمبريالية أو في أحسن الأحوال أن الفايسبوك يخلق فضاءً تتحكم فيه سلطة الرأسمال المعولم والمخابرات أو السلطة الخفية لمن يملك مفاتيح إغلاق أو فتح هذه الوسيلة أمام الاستخدام الشعبي الحقيقي (غوغل وغيرها من المشغلّين كمثال)، فإن الفايسبوك ساهم في الواقع في افراز خطاب جماهيري ثوري موحد تم تداوله على نطاق أوسع وسمح بتفاعل حي ما بين المرسلين والمتلقين (حتى ضاعت الفواصل والحدود بينهما).كما أظهرت أحداث الثورات العربية أن الفايسبوك والتويتر لعبا دور الإعلام المباشر عن الحدث ونقله وفضح الممارسات القمعية وتأمين امكانيات الرد والحشد والتعبئة إضافة الى الدور التثقيفي السياسي والتنظيمي الهائل من خلال نقل الخطب والشعارات والأناشيد والأغاني والنكات والحكايات والتجارب الشخصية والجماعية..لقد ساهم الفايسبوك في صياغة وعي قطاعات واسعة من جيل الألفية الثالثة بلغة العصر، وربط همومه المحلية والقومية بهموم العالم، وساعده على صياغة لغة جديدة إنسانية يمكن لها أن تؤثر في العالم وتتأثر به... ولئن كان صحيحاً القول بأن العلاقات الاجتماعية الناشئة عن الفايسبوك تقوم على عالم افتراضي وعلى تواصل عن بعد، إلا أنه لا ينبغي أن نتجاهل كون هذا العالم الافتراضي هو إمتداد للعالم الواقعي الحقيقي وهو سرعان ما يتماهى معه من خلال النزول اليومي الى الميدان والساحة ومن خلال الجامع وصلاة الجمعة أو مظاهرات الأحياء الشعبية في الليل أو زحف الأرياف والقرى نحو المدن كما حدث في تونس ومصر ويحدث في سوريا..
فالأساس في الثورات ما زال لنبض الناس الحار واللقاء المباشر في الميدان الفعلي للمواجهة..
أما القول بوجود سلطة خفية مهيمنة فهذا قول مردود لأن هذا المجال المفتوح هو ككل مجال معرفي جديد حقل صراعي مفتوح وليس حقلاً سكونياً جامداً..والفاعلون هنا يملكون من الرساميل الرمزية والثقافية والسياسية والاجتماعية والاقتصادية ما يسمح لهم بخوض هذا الصراع وبامتلاك مفاتيحه ونواصيه...وهؤلاء الشباب لا يأتون من فراغ بل هم أبناء جيل وجيلين من الحركات السياسية والنقابية والشبابية النضالية ومن الأجواء والاختمارات الفكرية والذهنية والسلوكية ومن ثقافة سياسية تسربت اليهم من التعليم الجامعي الذي تلقوه ومن معايشتهم لأزمات بلادهم ومن الاعلام المفتوح عبر الفضائيات المتنافسة..
وبحسب ما كتبه عمرو الشوبكي في بداية الحراك المصري فإن كثيرين من أبناء هذا الجيل الجديد قد تفاعلوا مع العمل السياسي خارج إطار التنظيمات السياسية السرية والمفاهيم الحلقية للعمل الحزبي القديم ...والشيء الرئيسي الذي ميّز جيل الألفية الثالثة عن جيل آبائه هو براءته من شتى أنواع العقليات والذهنيات التكفيرية والتخوينية التي سادت في الستينيات والسبعينيات؛ وقد تمتع الجيل الجديد بسعة صدر وسعة أفق وتسامح وسلمية لم تكن موجودة لدى جيل قدامى اليسار الماركسي والقومي أو الاخوان المسلمين أو حتى اليمين الليبرالي...وقد انتمى هذا الجيل إلى جمعيات العمل الأهلي والمنظمات غير الحكومية التي تعاظم عددها ودورها منذ العام 1990 أي منذ انتهاء الحرب الباردة وشيوع مفهوم وممارسة المجتمع المدني. وقد امتلكت قطاعات واسعة ومتزايدة من هذا الجيل خبرتها وتكوينها السياسي من خلال الانتماء إلى قضايا العالم وهمومه والتفاعل معه عبر تقديم قراءة نقدية لكثير من مثالب عصر العولمة، ولكن من خلال الحداثة وقيم العصر الديموقراطية ومفاهيم التعددية والمواطنة المتساوية والدولة المدنية.