إلى المحتوى
حركة التجدد الديمقراطي
مختارات/

قمع بريطاني - ساطع نور الدين (السفير)

لم يعرف عن الرئيس الايراني محمود احمدي نجاد انه صاحب نكتة، ولا يعرف عن العقيد معمر القذافي انه يبتسم للنكتة، لذلك كان من الصعب ان تثير تعليقاتهما على الاضطرابات في بريطانيا الضحك... لا سيما انهما تعمدا الايحاء بانهما يتحدثان بمسؤولية عالية وبجدية مطلقة عن ما يتعرض له الشعب البريطاني من قمع وحشي على يد حكومته واجهزتها الامنية.
لم يتورع الرئيس الايراني في خلال شجبه الشديد لما يتعرض له البريطانيون من بطش عن المطالبة بلجنة تحقيق دولية، حسبما اقترحت مجموعة نواب ايرانيين رسميا، وصولا الى محاسبة ومعاقبة حكومة ديفيد كاميرون التي اعلن احد المتحدثين باسم العقيد القذافي انها فقدت شرعيتها وباتت مدعوة الى التنحي... فيما اوصى مسؤولون عرب آخرون اجهزة اعلامهم بتسليط الاضواء على حالة الفوضى البريطانية، وتقديمها على انها غضب او انتقام الهي من بريطانيا!
لو كان الموقف الايراني والليبي تعبيرا عن الشماتة ببريطانيا لجاز القول انه مفهوم او حتى مبرر، نظرا لما بين الدول الثلاث خاصة من حروب ونزاعات وخصومات لا حصر لها. لكن نجاد والقذافي كانا في منتهى الصدق والوعي في الايحاء بانهما امام حدث بريطاني جلل، يمس هيبة الدولة ومؤسساتها ووحدة المجتمع بتلاوينه واعراقه المتنوعة، يستدعي منهما التدخل في الشؤون الداخلية البريطانية ردا على التدخل البريطاني في شؤونهما الداخلية.
لكن الادهى من كل ذلك هو ان هذين الموقفين بنيا على اقتناع ضمني بان ما يجري في بريطانيا هو ثورة شعبية على نظام قمعي فاشل حان موعد سقوطه... ما يقيم صلة ذهنية بين رعاع بريطانيا وبين ثوار تونس ومصر وليبيا واليمن وسوريا، الذين دخلوا التاريخ لانهم سلميون متحضرون، لا يمكن ان تنسب الى أي منهم تهمة سرقة او حتى تحطيم واجهة محل تجاري واحد في القاهرة او تونس او صنعاء او غيرها من العواصم العربية والاسلامية.
الازمة في بريطانيا حقيقية، وهي ذات اصول اقتصادية واجتماعية، وذات جذور عنصرية لا شك فيها. لكن تصنيفها او مقارنتها بأي ثورة شعبية هي اساءة صريحة لكل الثورات الماضية والمعاصرة. وما قام به الرعاع وقطاع الطرق البريطانيون، من مختلف الاصول العرقية وليس فقط من السود اوالاسيويين، من اعمال حرق ونهب لا يندرج الا في باب الجريمة التي استنكرتها بالاجماع الاحزاب والقوى السياسية والاجتماعية البريطانية، برغم انها اختلفت على جذورها وسبل مواجهتها... واطلقت العنان لبعض اسوأ واخطر اصوات اليمين البريطاني المعادي للهجرة.
ليست بريطانيا مدينة فاضلة، ولم تكن يوما في تاريخها، لا في علاقتها مع مستعمراتها السابقة ولا في تعاملها مع المهاجرين من تلك المستعمرات. لكن النقاش الذي يدور في مؤسساتها ووسائل اعلامها توصل في ختام جلسة مجلس العموم بعد ظهر امس، الى قرار تاريخي خطير، تمثل بالسماح للشرطة البريطانية باستخدام الهراوات، وفي الحالات الاستثنائية جداً الرصاص المطاطي ضد الرعاع، وتوفير مدافع المياه كسلاح استراتيجي ضد موجة الشغب، مع الاخذ بالاعتبار مخاطره على البيئة والسكان والمباني!
لن يصدق نجاد والقذافي ولا أي من زملائهما العرب والمسلمين ان هذا هو قرار النظام القمعي في بريطانيا، ولن يستغرب الشعب الايراني او الليبي او اليمني او السوري تعرضه هذه الايام لرشقات منعشة من مدافع المياه.


 

← العودة إلى مختارات