إلى المحتوى
حركة التجدد الديمقراطي
مختارات/

أرض الفرص الضائعة - أكتافيا نصر (انهار)

الأسبوع الذي نُقبِل عليه ليس كأي أسبوع آخر في الولايات المتحدة. فالتحدّيات الاقتصادية والسياسية والعسكرية التي شهدها الأسبوع المنصرم جعلت كثراً يفكّرون في معنى هذا كلّه، فيما يحاول آخرون استنباط طرق لتهدئة الناس المشوَّشين والمضلَّلين والعاجزين في غالبيّتهم. ولا يزال البعض يسعى إلى اقتناص الفرص لإسقاط مزيد من الأهداف، والتصويب على اليد التي تؤلم، والتفتيش عن ثغرات، والإصرار على ان يستسلم العدو تماما ويفقد أي قدرة على التصدّي!
تبدو أميركا اليوم مثل مخلوق أسطوري بجسم واحد ورأسَين متنافرَين. فعوض أن يتناوب الرأسان على قيادة الجسم نحو بر الأمان والسلام، يتناحران ويعجزان عن تحقيق الانسجام في ما بينهما. والأسوأ من ذلك، يضمر كل منهما عداوة متزايدة للآخر ويتمنّى له السوء علناً.
كما انطبعت نهاية الأسبوع الشاق بواحد من الأحداث الأكثر دموية في تاريخ القوات الأميركية في أفغانستان. فقد أسقط المتمرِّدون مروحية عسكرية خلال معركة في شرق أفغانستان، مما أدّى إلى مقتل 31 جندياً من فرقة العمليات الخاصة الأميركية، وسبعة جنود أفغان ومترجم.
قبل ساعات من تحطّم المروحيّة، خُفِّض تصنيف الائتماني للولايات المتحدة للمرة الاولى منذ حصولها على التصنيف الأعلى عام 1917. على رغم الانتقادات من الديموقراطيين الذين اعتبروا أن ثمة خطأ في الحسابات وأن الإعلان السريع عن خفض التصنيف ينطلق من دوافع سياسية، لم تتراجع وكالة "ستاندارد أند بورز" عن قرارها. وأوضحت أن الاتفاق الذي توصّل إليه زعماء الكونغرس لتحديد سقف للديون، بعد الكثير من المشاحنات والمناورات السياسية، والذي وقّعه الرئيس أوباما وحوّله قانوناً، لم يقنع الوكالة بأن التسوية تتيح تحقيق الخفض المطلوب في النفقات والذي يجب أن يصل إلى أربعة تريليونات دولار. حتى إن الوكالة هدّدت بخفض التصنيف أكثر في السنتَين المقبلتين إذا لم تُتَّخذ إجراءات ملموسة لاتّباع مسار عام في موضوع الديون الحكومية كما تطلب "ستاندارد أند بورز" في تعليلها لخفض التصنيف.
ووسط هذا كله يقف الأميركيون العاديون الذين يعملون بكد ويدفعون الضرائب. يشاهدون المال الذي ادّخروه طوال حياتهم يتناقص أمام أنظارهم. اكثرهم عزّل وغير قادرين على التحرّك لحماية مقتنياتهم وإنقاذ أنفسهم. معدّلات البطالة مثيرة للقلق، وتجد العائلات صعوبة أكبر في كسب رزقها. بيد أن المشترعين يستمرّون في ممارسة السياسة كالمعتاد، ويتصرّفون كأنّهم يسيطرون على الوضع في حين أن الأمور خرجت عن سيطرتهم.
لا داعي الى ان يكون المرء خبيراً اقتصادياً ليدرك الورطة الكبيرة التي نتخبّط فيها وكيف وصلت بنا الأمور إلى هذا الدرك. نبدأ بالكلفة المرتفعة وغير المتوقّعة لهجمات 11 أيلول 2001 الإرهابية وما أعقبها من حربَين خاضتهما الولايات المتحدة بواسطة مال مقترَض. ونضيف إليها الخفوضات الضريبية المتعدّدة والبرامج الحكومية المكلفة جداً، لنصل إلى الانهيار المالي عام 2008 وما تلاه من برامج حكومية للإنقاذ المالي. لقد ارتفع الدين الوطني الأميركي إلى مستويات تفوق 14٫5 تريليون دولار وفقاً لساعة الديون الأميركية المحبطة جداً، والتي تتحرّك عقاربها بسرعة تنذر بانفجار وشيك من الداخل إذا لم يحصل تدخّل شامل وواسع النطاق. ولا داعي الى ان يكون المرء عبقرياً ليستنتج أنه ليس في إمكان برنامج واحد أن يصحّح المشكلة، وأن الديون ستزيد أكثر فأكثر. إذا استمرّت الأمور على هذا المنوال، يخشى البعض أن تصل الديون إلى 20 تريليون دولار بحلول سنة 2020.
يتعيّن على الرئيس أوباما والكونغرس الأميركي اتّخاذ خطوات جذرية في الأسابيع والأشهر المقبلة، من أجل تصويب المسار. على الحكومة الأميركية أن تكبح نفقاتها وتجري خفوضات في كل المجالات الممكنة. يجب إعادة تحديد الأولويات واتّخاذ كل الخطوات اللازمة للحفاظ على الولايات المتحدة "أمة واحدة لا تتجزّأ، حيث ينعم الجميع بالحرّية والعدالة". من الآن فصاعداً، يجب أن يسمو الأميركيون فوق الخطوط الحزبية. فكي يُنقِذوا بلادهم ويساعدوها على استعادة سمعتها القديمة التي جعلتها أرض الفرص، يجب أن يكونوا أميركيين اولا، ولا شيء سوى أميركيين.

← العودة إلى مختارات